بعد مرور 62 عاما على «ثورة 23 يوليو» العام 1952، لا يزال جمال عبد الناصر هو الشخصية الأكثر تأثيرا في تاريخ مصر الحديث، حتى أن ظهور أي زعامة جديدة في مصر تستدعي فورا المقارنة بالزعيم الراحل عبد الناصر ومدى التشابه بينهما. وعلى هذا المنوال، بنيت شعبية المشير عبد الفتاح السيسي منذ 30 حزيران العام 2013، وحتى الآن.
وكان لرفع صور جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي معاً في شوارع مصر وميادينها تأثير السحر في الشارع المصري.
وعلى الفور تم استدعاء العصر الذهبي للناصرية، وما تميز به هذا العصر من انحيازات اجتماعية لمصلحة الفقراء والكادحين، ومصادرة أراضي الإقطاع وتوزيعها على الفلاحين المعدمين، وتأميم المشاريع الخاصة، ومجانية التعليم، وصعود نزعة التحرر الوطني وتحدي القوى العظمى وتأميم قناة السويس، وبناء الدولة الحديثة عبر قاعدة صناعية ضخمة تم تشييدها ومشاريع عملاقة كالسد العالي.
تشبيه السيسي بعبد الناصر واعتباره امتداداً له عقد الآمال العريضة لدى الغالبية العظمى من الفقراء في مصر، وأنعش الطموحات باستعادة مصر لمكانتها العالمية وقيادتها للمنطقة.
واللافت أن فكرة «السيسي هو امتداد لعبد الناصر» كانت مدعومة بشدة من قطاع واسع من الناصريين أنفسهم، الذين وجدوا في إعادة رفع صور جمال عبد الناصر في سماء القاهرة مرة أخرى ولو بجوار السيسي رد اعتبار للتجربة وزعيمها، بعد انحراف طويل عنها. كما اعتبروا أن المشير القادم من المؤسسة العسكرية التي بناها عبد الناصر خلال صراعه مع الاستعمار والصهيونية جديرة بأن تقدم خليفة لمؤسسها.
وربما ساهمت العديد من العوامل بالفعل في اعتبار السيسي امتداداً لعبد الناصر. ومن بين تلك العوامل بالطبع دخول السيسي في مواجهة عنيفة مع جماعة «الإخوان المسلمين» تشبه تلك المواجهة التي دخلها عبد الناصر، كذلك الخلفية العسكرية لكلا الرجلين. كما أسهمت مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مما حدث في مصر في الثالث من تموز العام 2013 في إظهار السيسي كَمُتَحَدٍّ للإرادة الغربية، كما تحداها عبد الناصر.
والأهم من ذلك أن السيسي نفسه بدا مرحبا بتلك المقارنة وأعرب عن تمنيه في أن يكون مثل عبد الناصر واعتبره مثله الأعلى.
ولكن بعد بدء السيسي في تطبيق سياساته، غداة تسلمه الحكم، سيصعب على الكثيرين ممن رفعوا صوره مع عبد الناصر إيجاد الكثير من أوجه الشبه بين الرجلين، في ما عدا الزي العسكري ومواجهة «الإخوان».
فـ«البكباشي» عبد الناصر خرج من حصار الفالوجة في العام 1948 مؤمناً بضرورة إطاحة الملك فاروق، والإقطاع والاستعمار لفتح مرحلة جديدة من التاريخ أمام مصر، وشرع فوراً في تأسيس تنظيم «الضباط الأحرار» السري، وسعى لبناء ظهير اجتماعي لمشروعه من فقراء الريف الذين وزع عليهم أرض الإقطاع، والعمال الذين أمم وبنى لهم المصانع، وارسى شبكة الضمان الاجتماعي والحق في التعليم والصحة والسكن.
وبذلك، فإن عبد الناصر يختلف بشكل كلي عن السيسي الذي عينه الرئيس المخلوع حسني مبارك رئيساً للمخابرات العسكرية، ثم رقاه الرئيس المعزول محمد مرسي وزيراً للدفاع، ثم دفعته الأحداث إلى صدارة المشهد في الثالث من تموز العام 2013، حتى أصبح رئيسا للجمهورية.
ولم يذهب السيسي الذي اعتبر منقذاً للدولة من قبضة «الإخوان» في خياراته إلى أبعد من هذه المواجهة، فما اعتبر تحدياً للأميركيين والأوروبيين، ظهر لاحقا أنه مجرد خلاف حدث أكثر منه بين مبارك والغرب. حتى أن السيسي نفسه برر موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أثناء حملته الانتخابية بأن لديهم قوانين تلزمهم بمواقف محددة، وأن علينا أن نوضح لهم الموقف.
كذلك، فإنّ الموازنة العامة التي اعتمدها السيسي في بداية حكمه أوضحت أن انحيازاته لا تراعي أوضاع الفقراء، بعد اعتماده إجراءات تقشفية أدت إلى خفض الدعم وارتفاع الأسعار، بعكس عبد الناصر.
اما الحرب على غزة فكانت اختبارا قويا للسيسي، اذ جاءت ردود أفعاله مترددة وغير حاسمة، حتى في ما يتعلق بالضغوط الديبلوماسية، التي مارسها مبارك من قبل باستدعاء السفير المصري من تل أبيب.
ويقول القيادي الناصري جمال فهمي، في حديث إلى «السفير»، إن «فكرة أن السيسي هو امتداد لعبد الناصر أصلا خرافة»، موضحاً «صحيح أن التاريخ هو عبارة عن حلقات متسلسلة، ولكن كل حلقة مستقلة، ولها سماتها الخاصة... اما إذا كان المقصود أن السيسي يمكن أن يستلهم الجوهر التحرري والتقدمي للتجربة الناصرية، فهو بالفعل لديه تلك الفرصة».
ويضيف فهمي: «هل اغتنم السيسي تلك الفرصة؟ لا أستطيع أن أحكم. ما رأيناه حتى الآن هو نوع من الارتباك والحيرة والتخبط، وهو بالضبط ما يتناقض مع التجربة الناصرية التي امتازت بالحسم والمبادرة».
ويرى فهمي أن «لدى السيسي نوايا طيبة، ولكنه لم يقدم دليلاً على ذلك. فهو يعتبر عبد الناصر مثله الأعلى، كما قال، ولكنه لم يعطِ أي إشارة على ذلك حتى الآن».
قد يكون من الإجحاف حقا تقييم السيسي اليوم من دون الاخذ في الاعتبار أنه تولى الرئاسة رسمياً قبل أقل من شهرين، وأن الظروف التي تسلم خلالها الحكم غاية في التعقيد، ولكن في المقابل، فإنّ ثمة الكثير من الإشارات التي من شأنها أن توضح توجهه مستقبلا.
وفي هذا الإطار، يقول الكاتب والمفكر الناصري عبد الله السناوي لـ«السفير» أن «السيسي نفسه هو الذي اعتبر عبد الناصر مثله الأعلى. وقد سأل السيسي نفسه من قبل، كيف أكون امتدادا لعبد الناصر في صورة عصرية؟ كان هذا رهان السيسي الشخصي على صورته في التاريخ. كذلك كان هناك رهان شعبي واضح رفعت في ضوئه الجماهير صورتي عبد الناصر والسيسي معا».
ويضيف السناوي ان «هذين الرهانين تعترضهما امور عدّة، من بينها أن السيسي لم يكمل تصوّره لرؤية اجتماعية ورؤية إقليمية بعد. كما واجه السيسي في بداية حكمه وضعاً صعباً، كالإرهاب وصعود تيار الإسلام السياسي، والتطورات المتلاحقة في المنطقة التي تنذر بتقسيم جديد. كل ذلك يجري في ظل وضع اقتصادي واجتماعي ضعيف، وفي ظل عدم استكمال بناء مؤسسات الدولة بعد. لذا، فمن الصعب أن نحكم فوراً، بل يجب أن نأخذ في الحسبان أن التجربة ما زالت تحت الاختبار».
ويتابع السناوي: «بشكل أو بآخر، ثمة مؤشرات على تراجع شعبية السيسي، لأسباب طبيعية، وبعضها كان يعرفه هو بالفعل، مثل معالجة الملف الاقتصادي. وهناك أسباب أخرى كان يمكنه تفاديها مثل معالجته لأزمة العدوان على غزة. وكان يمكن أن تكون ردود أفعاله أكثر سرعة وقوة من دون أن يتورط في مغامرة، مثلا سحب السفير المصري من تل أبيب ولو للتشاور، والإدانة القوية والفورية للعدوان، وتقديم وسائل الإغاثة بسرعة وفاعلية أكبر. هذه الإجراءات وغيرها كان يمكن أن تحسن الموقف أكثر».
لا يمكن اليوم إيجاد تشابه بين السيسي وعبد الناصر... وبرغم كل الأسباب التي يمكن سردها عن الظروف التاريخية والوضع المحلي والإقليمي والعالمي، إلا أن حقيقة تبدو اليوم واضحة للغاية، وهي أن تاريخ عبد الناصر وانجازاته، قد تم استثمارها بكل براعة، ولكن في عكس الاتجاه الذي ذهب فيه الزعيم الراحل!