Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 31
الأعضاء: 0
المجموع: 31

Who is Online
يوجد حاليا, 31 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

هدى عبد الناصر
[ هدى عبد الناصر ]

·كيف غير الجنرال ديجول صورة فرنسا عند العرب؟ - أ.د هدى جمال عبد الناصر
·أين دبلوماسية الانجليز؟! بقلم أ.د هدى جمال عبد الناصر
·فلسفة مجانية التعليم فى عهد عبد الناصر - هدى جمال عبد الناصر
· ماذا ننتظر؟! - هدى جمال عبد الناصر
·هدى جمال عبد الناصر: لنكن حقانيين .. تيران وصنافير سعوديتان
·ماذا ننتظر؟! - د. هدى عبد الناصر
·لنفتح الحوار حول التنظيم السياسى - د.هدى جمال عبدالناصر
·لماذا التقارب الآن مع إسرائيل؟ - هدى عبد الناصر
·رسالة هدى عبد الناصر الى حمدي رزق

تم استعراض
50357644
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
هكذا تحدث عصمت سيف الدولة.. طارق عبدالحميد
Posted on 24-11-1438 هـ
Topic: عصمت سيف الدولة

هكذا تحدث عصمت سيف الدولة..



لـ "فيلسوف العروبة" د. عصمت سيف الدولة (23-1996م) أكثر من 30 كتاباً جلها في الفكر السياسي باستثناء: إعدام السجان (مسرحية)، وسيرته الذاتية البديعه بجزايها: مذكرات قرية، ومشايخ جبل البداري، فضلاً عن عشرات البحوث والمقالات على مدى عقود منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين وحتى وفاته منتصف التسعينيات. ويمكن القول - باطمئنان بالغ- أن لمفكرنا الكبير ثلاثة أسفار كبرى من بين تلك الكتب وهي : أسس الإشتراكية العربية 1965م (والذى احتوى على نظريته الفكرية الشهيرة "جدل الإنسان") - نظرية الثورة العربية 1972م - عن العروبة والإسلام 1986م.والكتاب الأخير هو مناط الحديث لسببين موضوعيين:




*الأول.. مرور 30 عاماً كاملةً على قيام مفكرنا الكبير بكتابة استهلاله للكتاب ، وتحديداً في شهر سبتمبر 1985م، وهو استهلال يشي بالمقصد الأساسي من وراء صدور هذا الكتاب. وقد حمل الاستهلال عنوان "بيان"، وفيه يقول د.عصمت سيف الدولة نصاً: "في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا . طائفة تناهض الإسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالإسلام ، فهما مختلفتان. وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام، فهما متفقتان. وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم . وإنهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته. هذا حديث الى الشعب العربي عن الطائفتين تباعاً . سيقول نفر ممن  يقرأونه : ما بال هذا الرجل يتلو آيات الكتاب لا يلتمس فيها عوناً من رجال الدين ، فنقول لأننا مسلمون ، ولا كهانة في الإسلام . وسيقول نفر : ما باله يتحدث عن الأمة العربية لا يلتمس عوناً من مفكريها ؟ فنقول لهم : هذا مذهبنا. مذهبنا الإسلامي في القومية ومذهبنا القومي في الإسلام ، فلينظروا ماذا هم فاعلون . أما الطائفتان فسينظرهم الشعب العربي إلى حين".* السبب الثاني ..أن الكتاب يحمل بين دفتيه " تأسيس منهجي" لمجموعة من الأفكار التي ما زالت تثير جدلاً حتى الآن، ولو كان المتجادلون قد قرأوا ابتداء - ناهيك عن الفهم – ما كتبه عصمت سيف الدولة، لكنا قد قطعنا أشواطاً عدة نحو التقدم. 
ومن بين الأفكار "التأسيسية" العديدة التى حملها الكتاب، سوف نفصل الحديث عن ثلاثة منها أرى - من وجهة نظري - أنه يجب التوقف عندها مليًا، وهي : مصر العربية – دولة الخلافة – قصة العلمانية.



مدخل لازم:

قبل الولوج إلى الأفكار الثلاثة المبتغاة يجب التأكيد على أن مفكرنا الكبير كان يرى  أن الإسلام والعروبة مترادفان لا متناقضان، تلك هي قاعدة الانطلاق، ومن هنا رفض ذلك التناقض "المصطنع" بينهما، فالإسلام علاقة انتماء إلى "دين" خالد فى الزمان بحكم انه خاتم الرسالات والأديان. أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على "شعب" معين من بين الشعوب و"مكان" معين من الأرض .. علاقة انتماء إلى أمة تكونت خلال مرحلة تاريخية طويلة كاستجابة موضوعية لحتمية تقدم الشعوب بعد أن استنفدت العلاقات: الأسرية، ثم العشائرية، ثم القبلية، ثم الشعوبية كل طاقات تلك الشعوب على تحقيق التقدم.

هل الإشارة إلى العرب كـ "أمة" تثير حساسية لدى المتأسلمين بدعوى أنه مصطلح غير مبرر في وجود "أمة الإسلام"؟ .. وهنا يجيب مفكرنا الكبير- بإبداعه المعتاد- ومن القرآن الكريم ذاته ، إذ ورد لفظ "أمة"بالقرآن الكريم في 64 موضعاً تعددت فيها كنه وأوصاف ومواقف من أطلق عليهم هذا اللفظ، والآيات التي ورد فيها لفظ الأمة جاءت في مجملها للدلالة على مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أيا كان مضمون المميز . و دلّ على أن الأمة جماعة أنها فى كل موضع جاءت فى موقع الفاعل الغائب أشير إليها فى الفعل بواو الجماعة. ودل على أن الأمة مطلق الجماعة أنها قد جاءت في القرآن دالة على الجماعة : من الناس، ومن الجن، ومن الحيوان، ومن الطير، فقال تعالى: "قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ" (الأعراف38).



الأمم .. متعددة:

ويعلمنا القرآن الكريم أن الأمم متعددة فى الزمان والمكان . فإذا جاءت الآخرة فإنهم أمم متعددة يقول تعالى: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً"( النساء : 41). كما أن الجماعة المتميزة بالكفر بالرسالة ومناهضة رسولها هى أيضاً أمة كما في قوله تعالى: " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ ِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ"(غافر: 5).  فضلاً عن ذلك، فإن كلمة أمة تدلّ على الجماعة ولو لم تتميز إلا بموقف واحد فى حالة واحدة، كما في قوله تعالى: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ "(القصص : 4). وكلمة الأمة فى هذه الآية لا تعنى مجرد الجماعة بل تعنى الجماعة المتميزة بموقف واحد أو حالة واحدة مثل جماعة تسقى وحدها دون الآخرين .

تلك الدلالات القرآنية للفظ "أمة" يؤكد أن المسلمين .. كل المسلمين.. كانوا وما زالوا وسيبقون أمة، كما أن الأغلبية الساحقة من الشعب العربى وما يزالون وسيبقون جزءاً لا يتجزأ من الأمة الإسلامية التى ينتمى إليها كل المسلمين فى الأرض بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم لا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى. وبهذه الدلالة أيضاً يكون كل العرب منتمين إلى أمة عربية واحدة في مجتمع ذى حضارة متميزة، من شعب معين مستقر على أرض خاصة ومشتركة تكوّن نتيجة تطور تاريخى مشترك.
وإذا كان المسلم لا ينكر أن كل جماعة متميزة حتى من الدواب هى "أمة "، فكيف به ينكر على جماعة لها صفات انتماء واحدة أنهم أمة ، وكيف به يرفض أن نقول إننا ننتمي إلى الأمة العربية؟!

شهادة ميلاد أمة:

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاسلام قد كتب شهادة ميلاد الأمة العربية بعد الهجرة النبوية حيث بدأ إنشاء الدولة فآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، ثم اكتمل بنيان المسجد النبوي وأمر الرسول الكريم بكتابة وثيقة تحدد المعاملات بين الجماعات المختلفة في الدين و تعيش في وطن واحد، والتي عرفت بـ"وثيقة المدينة"، علمأً بأن الرسول قد حكم بإجلاء اليهود من المدينة ولم يكن ذلك لأنهم يهود بل جزاء إخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه بدليل أنه لم يحكم بإجلائهم مرة واحدة بل حكم بإجلاء من خانوا منهم فقط ( بنو قينقاع وبنو النضير)، بينما بقي بنو قريظة إلى أن تم إجلاؤهم حين خانوا عهد المواطنة والدفاع المشترك عن المدينة المنورة. الإسلام إذاً .. هو الذي كوّن الأمة العربية، ووثيقة المدينة تعد بمثابة "شهادة ميلاد" الأمة العربية، كما أن مصير المسلمين في كل بلد مرتبط بمصير العرب، وهنا نذكر ما رواه جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا ذلت العرب ذل الإسلام".


أدان مفكرنا الكبير د.عصمت سيف الدولة – كما تطرقنا في الحلقة الأولى – الطائفتين: هذه التي تناهض الإسلام بالعروبة، وتلك التي تناهض العروبة بالإسلام ، فكلتاهما لا تعرفان - بل تجهلان - الإسلام والعروبة معاً. كما أشرنا في ختام تلك الحلقة إلى أن الإسلام هو الذي كوّن الأمة العربية، ووثيقة المدينة (الصحيفة )، والتي وضعها الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم- لتنظيم الحياة بين أهل المدينة.. من مسلمين وغير مسلمين، تعد بمثابة "شهادة ميلاد" الأمة العربية.

ونكمل رحلتنا مع "فيلسوف العروبة" الذي يبحر بنا بحثاً عن "مصر العربية" إذ ينطلق من القول إن تناول تاريخ الشعب العربي في كل قطر منذ أن كان: أسرة، فعشيرة، فقبيلة، إلى أن أصبح جزءاً من الأمة العربية، أمر يطول شرحه، ولكن يمكن جعل مصر مثلاُ حياً على هذا التحول عبر سؤال مهم :  كيف كانت مصر " فرعونية " وكيف أصبحت "عربية". 

وهنا يقرر مفكرنا الكبير- فيما يشبه الحسم العلمي البات - أن " كل إنسان من مصر ذو شخصية عربية إسلامية"، مستطرداً: " لا لأننا نتصور ذلك أو نريده ، ولكن لأنه الواقع الموضوعي".

 مصراييم...
قبل أن توجد الدول والأمم جميعاً، كانت مصر موقعاً جغرافياً يسمى" مصراييم" بمثابة واحة كبيرة من الأرض الخصيبة ذات المناخ المعتدل يجري فيها النيل الخالد موفراً لها أكبر قدر من انتظام أسباب الري والزراعة والنقل والمواصلات. كما تطل على بحرين عند ملتقى قارتين ، فكانت – باختصار - موطناً نموذجياً للحياة المستقرة على يسر النماء الزراعي والبناء الحضاري والتبادل التجاري مع ما حولها من أقاليم . فكانت بالتالي قوة جذب هائلة للجماعات القبلية المرتحلة من حولها، والتي باتت تطمع في غزو مصر، لا لتنهبها ثم ترتد عنها، شأن الغزاة في العصور القبلية بل لتستولي عليها، وتستقر فيها. وقدحدث ذلك كثيراً كما يلي: 
* حينما غزت مصر الجماعات القبلية الوافدة من الشرق بقيادة "الهكسوس" عام 1675( قبل الميلاد)واستقروا فيها قرناً حتى عام 1567 ق . م ، وكانت منهم أسرتان حاكمتان (الأسرتان: 15، 16) و13ملكاً ، أولهم "شيش" ، وآخرهم "أبيبي الثالث".

* حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الغرب من نسل "يوبو  واوا" الليبي عام 1950 ق.م،واستقروا فيها قرنين حتى عام 1730 ق . م ، وكانت منهم أسرتان حاكمتان (22،23) و14 ملكاً ، أولهم "شاشانق الأول"، وآخرهم "أوسركون الرابع".

* حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الجنوب عام 751 قبل الميلاد، واستقروا فيها قرناً حتى عام 656 قبل الميلاد، وكانت منهم أسرة حاكمة ( الأسرة الخامسة والعشرون)، و5 ملوك ، أولهم "يغنجى"، وآخرهم "تانون اماني".

* حينما غزتها التجمعات القبلية الوافدة من فارس تحت قيادة قمبيز عام 525 ق . م واستقروا فيها أكثر من قرن حتى عام 414 ق . م ، وكانت منهم أسرة حاكمة ( الأسرة 27)، وخمسة ملوك أولهم "قمبيز"، وآخرهم "دارا الثاني" . وبعد أن طردتهم ثورة قادها "آمون حر"، لم يلبثوا أن عادوا اليها قبل مرور نصف قرن ، فغزوها ثانيةً عام 341 ق . م واستقّروا فيها قرناً آخرحتى عام 232 ق. م ، وكانت منهم أسرة حاكمة ( الأسرة 31)، وثلاثة ملوك أولهم "ارتخشاشا الثالث" ، وآخرهم "دارا الثالث".

* ثم جاء البطالمة فاستقروا فيها ثلاثة قرون ، ثم الرومان فاستقروا فيها أربعة قرون ، ثم البيزنطيون فاستقروا فيها نحو قرنين ونصف قرن ، ثم العرب عام 640 ميلادية فاستقروا فيها وتعّربت مصر جملة ، ولم تزل.



كلمة .. الجغرافيا 
وهنا يخلص مفكرنا الكبير إلى أن جغرافية إقليم مصر قد فرضت على مصر مفهوماً مصرياً لأمن مصر، أمن وجودها وحدودها وأمن مبادلاتها ومواصلاتها مؤداه : بما أن مصر – جغرافياً – ذات قوة جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنها توفر لمن يغزوها أفضل أسباب الاستقرار فيها ، من ناحية ثانية ، فإن المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودها الجغرافية في جميع الاتجاهات شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، أو بصيغة أخرى "إن خطوط الدفاع عن مصر تقع فيما يجاورها من أقاليم بعيداً عن حدودها".

ويكاد تاريخ مصر القديمة أن يكون تاريخاً لهذا الدور. وأغلب ما عني ملوك مصر الفراعنة بتسجيله حفراً على جدران المعابد هو قصص خروجهم إلى جميع الاتجاهات لمواجهة التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر، وضربها ضربات وقائية مبكرة قبل أن تقترب منها، ففي: 
* الشمال، فنقرأ على جدران معبد الكرنك بعد أن استطاع أحمس الأول ( 1570 – 1546 ق.م) طرد الهكسوس من مصر ، طردهم من جزيرة كريت، وأراد أن يكرم جدته الملكة " أعج حوتب " للدور العظيم الذي قامت به في تعبئة الجيوش على قتال المحتلين فيسميها "ملكة كريت". ونقرأ على جدران معبد الرمسيوم  في الأقصر ما أمر بحفره رمسيس الثاني ( 1290 – 1223 ق . م) ثبتاً للبلاد التابعة لمصر، من بينها قبرص وكريت.

* الغرب، فمنذ بداية التاريخ المكتوب تذكر الآثار أنّ ملكأً من الأسرة الثانية اسمه خع سخم (أو حورس)، لايعرف أحد تاريخ حكمه، قد خرج من مصر لمقاتلة القبائل الليبية التي تهددها. وتحكي بردية سنوهي مأساة اغتيال الملك أمنمحات ( 1991 – 1961 ق . م ) فنقول إن أعداءه تمكنوا منه وقتلوه ، منتهزين فرصة غياب ابنه وولي عهده وقائد جيشه سنوسرت، إذ كان قد أرسله قائداً لحملة للقضاء على التجمعات القبلية التي تجهّز نفسها لغزو مصر في قواعدها في ليبيا. وتحكي الآثار أن أمنحوتب الأول ( 1546- 1526 ق. م ) قد أرسل جيشاً كبيراً بقيادة " أحمس آباتا"إلى ليبيا لتشتيت القبائل المتجمعة هناك وتستعد للسير على مصر. 



* الجنوب، فعلى صخور جبل الشيخ سليمان على مقربة من بوهن، أمام وادي حلفا، نقرأ نبأ وصول جيوش مصر بقيادة الملك "اتى الثاني"(من ملوك الأسرة الأولى) لتأمين طرق التجارة مع الجنوب. ويحكي لنا الرحالة المصري القديم " حرخوف"  في تاريخ حياته - المسطور على واجهة قبره في أسوان-  أنه صاحب حملة قادها أبوه إلى الجنوب، وأنه قاد هو نفسه ثلاث حملات متتالية بأمر من الملك بيبى الأول ( 2402 – 2377 ق . م ) . أما بيبي الثاني فأدرك أن دور مصر في الجنوب مسألة حياة أو موت، فمنه يجري شريان مصر ( النيل ) . فأرسل إلى الجنوب قائده "بيبي لنخت" ليؤدب القبائل المهددة لمصر هناك.

وفي "كرمة" بالسودان، أسس أمنمحات الأول ( 1991 – 1961 ق. م ) مركزاً للتجارة تحرسه قوة مرابطة في حصن شيّده في سمنه جنوبي الشلال الثاني . ثم توالت الحصون فأصبحت سبعة عشر حصناً ، ترابط فيها قوات تحرس النيل وتدافع عن مصر عند خطوط على بعد مئات الكيلومترات من حدودها. أما تحوتمس الأول ( 1525 – 1495 ق. م ) فقد مد حدود حكمه إلى السودان وعين حاكماً له أسماه " الأبن الملكي لكوش" وأصبح محرماً على من هم جنوب تلك الحدود عبورها إلى الشمال . ثم تحوتمس الثالث ( 1490 – 1436 ق . م )، الذي قاد بنفسه – وكان في السبعين من عمره - حملة إلى السودان وبقي هناك سبعة أشهر يقاتل القبائل التي تهدد مصر وتجارتها.

* الشرق فقد خرج إليه القائد المنتصر وعائدا الملك  ساحو رع  من الأسرة الخامسة ( 2553 -2539 ق . م ) وبيبي الأول من الأسرة السادسة ( 2402 – 2277 ق . م ) الذي طاردت قواته بقيادة البطل العسكري " ونى " التجمعات القبلية ثم دحرتها عند جبال الكرمل . واضطر سنوسرت الثالث ( 1879 – 1841 ق . م ) إلى أن يطهّر كل شرقي البحر الأبيض المتوسط، وأن يترك هناك فصائل تجوب الشواطئ وتراقب الطرقات وتنذر مبكراً بأي مشروعات غزو لمصر . وأحمس ( 1570 – 1546 ق. م ) يطرد الهكسوس من مصر، ويتعلم من الجغرافيا، فيعلم أنهم لن يكونوا قد خرجوا من مصر إلاّ إذا خرجوا من فلسطين، فيخرجهم منها.

ثم يأتي تحوتمس الثالث ( 1490 – 1436 ق . م ) وما أن يصل إليه نبأ وصول قوات قادش مدينة مجدّو في سورية، حتى يعتبر ذلك اعتداء على حدود أمن مصر فيخرج إليهم ويقاتلهم ويدمرهم في مدينة نوخاخش المجاورة لمكان حلب الحالية. ويواصل حملاته دفاعاً عن أمن مصر التي بلغت ست عشرة حملة مطاردة أوصلته إلى الفرات.



عبقرية حاكم.
ويفكر ذلك الملك العبقري فيما سيصنعه التاريخ بعده بعشرات القرون. إن التآخي وليس القهر هو الذي يحفظ أمن مصر . فيجمع أبناء ملوك القبائل التي قهرها وأولياء العهود فيها ويحملهم إلى مصر ويحشدهم مع أبنائه في قصوره ويؤاخي بينهم ليتعلموا جميعاً أن أمن مصر هو أمن جيرانها وأنها لا تغزوهم إلا مضطرة فإن تحالفوا على التعاون لردّ المخاطر عنهم جميعاً فهذا يكفي مصر أمنا.

وقد كان: عاد أولياء العهود أخوة وأصبحوا ملوكاً وقادة، وحالوا دون أن تكون مواطنهم مراكز تجمعات تهدّد مصر، فنعمت مصر بفترة طويلة نسبياً من الأمن والهدوء والرخاء والتقدم الحضاري.

وظهر أثر ذلك حين تجمع على حدود مصر الشرقية جلّ مواطني سوريا وفلسطين يريدون دخولها، وتبين القائد  حور محب أن جيوش ملكة خيتا قد غزت ديارهم وطردتهم وطاردتهم حتى حدود مصر، ففتح لهم الحدود، وآوتهم مصر وعقدت معهم ما يمكن أن يسمى بالمفاهيم الحديثة " معاهدة دفاع مشترك " فكونوا جيشاً مشتركاً خرج إلى حيث مواقع الخطر المشترك وقضى على جيوش خيتا. فلما تحررت سوريا وفلسطين أمنت مصر. ويستطرد مفكرنا الكبير: ".. وكانت تجربة علمت الجميع ما يمكن أن نسميه المصير المشترك مدخرين تعبير وحدة المصير إلى مرحلة تاريخية لاحقة".

وحين عادت جيوش ملكة خيتا إلى الاستعداد لغزو مصر وجمعت الآلاف من جنود المرتزقة من سكان بحر ايجه ( اليونان ) وإمارات آسيا الصغرى ( تركيا )، خرج إليهم رمسيس الثاني ( 1290 – 1223 ق. م ) وكادت الدائرة تدور على جيش مصر وباتت الهزيمة وشيكة وأصبح مصير مصر ذاتها معلقاً على نجدة من الحلفاء، فتقدم لنجدتها ألوف من شباب فلسطين مكونين تشكيلاً عسكرياً يسمى" ثبارونا "(فرقة الشبيبة ) وناصروا رمسيس الثاني فانتصر، وأنقذت مصر وفلسطين وسوريا معاً.

نستطيع، بدون خسارة كبيرة، أن نسقط من حديثنا قرون الحكم البطلمي والروماني والبيزنطي جميعاً فخلالها جميعاً أصبحت مصر مجرد أداة تؤدي الدور الذي يختاره لها من لهم السيطرة والحكم، وقطعت هذه السيطرة نموها الحضاري مرة أخرى، فأبقت سكان مصر شعباً لم يتطور، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن نصل إلى الفتح العربي عام 640 م.




الفتح العربي
ينطلق "فيلسوف العروبة ها هنا من القول إنه لم يكن غريباً أن يتم الفتح العربي لمصر بسهولة. ذلك لأن البيزنطيين لم يتعلموا من الجغرافيا ما تعلمه ملوك مصر القديمة. فقد تم الفتح العربي لسوريا عام 636 م . ولم يتعلم البيزنطيون الدرس، فلم يخرجوا من مصر إلى حيث تتجمع النذر لتؤدي مصر دور الدفاع عن ذاتها في المواقع التي حددتها الجغرافيا . وبدلاً من ذلك، تحصنوا في حصن "بابليون" جنوبي القاهرة، وهم يسمعون نبأ دخول عمرو بن العاص على رأس أربعة آلاف مقاتل لا غير، من العريش حتى  الفرما (شرق بور سعيد حاليا) حتى بلبيس؛ لتدور أول معركة بينهم في عين شمس ضاحية القاهرة. وبينما عاد البيزنطيون إلى حصن بابليون، اجتاح عمرو بن العاص على مرأى ومسمع منهم الدلتا واخترقها، واستولى على الفيوم، ثم عاد شرقاً، فعبر النيل ليلتقي بالمدد الذي جاء وحاصر البيزنطيين في حصنهم، واستولى عليه بعد سبعة أشهر قبل أن يتوجه إلى الإسكندرية" العاصمة". فيعود البيزنطيون إلى الخطأ ذاته، خطأ تصور إمكان الدفاع عن مصر من داخل مصر، فيتحصنون في الإسكندرية فيتركهم عمرو بن العاص محاصرين ويوجه قواته إلى صعيد مصر فيفتحه. مات الامبراطور الغبي هرقل عام 641 م والإسكندرية محاصرة.

 وخلفه كونستانز الثاني، الذي تبين أن قد تم الفتح العربي لمصر منذ أن تم الفتح العربي لسوريا، وسبق السيف العزل، فطلب الصلح، فأبرم معه عمرو بن العاص اتفاقاً منحه به فرصة عام للانسحاب من الإسكندرية. ولقد انسحب البيزنطيون في سبتمبر 642م بلا رجعة، ودخلها العرب بدون قتال. ومن بداية الفتح العربي، وعلى مدى ثلاثين عاماً فقط ، أدت مصر دور نقطة الانطلاق إلى شمال أفريقيا، حتى بنى عقبة بن نافع مدينة القيروان لتصبح هي مركز التجمع وقاعدة الانطلاق إلى ما يليها غرباً.

الانتماء القومي
وهنا يبدأ دور مصر في التطور فيتغير نوعياً ابتداء من الفتح العربي إذ بعد 65 سنة فقط تصبح اللغة العربية هي لغة مصر ويدخل الناس في الإسلام أفواجاً . ويعفي التاريخ مصر مما فرضته الجغرافيا فلن تدافع عن ذاتها بعد ذلك . لقد أصبحت جزءاً في موقع القلب من الامبراطورية العربية الإسلامية . تحيط بها أقطار بعدها أقطار، تباعد بينها وبين مسارح المعارك الضارية التي لم تنقطع على حدود الامبراطورية شرقاً وشمالاً وغرباً. وطالما كانت القيادة المركزية في دمشق أو في بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الامبراطورية التي انتقلت إليها حدود مصر، كانت مصر تؤدي دور الشريك في الدفاع عن الدولة المشتركة. وقد بدأت في أداء هذا الدور منذ وقت مبكر في أول معركة حربية خاضها أسطول عربي ضد البيزنطيين عام 655 م (معركة ذات الصواري). 

وعلى مدى قرون تالية، قامت مصر بدور "المستقر الآمن" الذي يجذب إليه بناة الحضارة من الفقهاء والعلماء والصناع، ودور القاعدة الآمنة التي تعبأ فيها الجيوش وتبنى فيها الأساطيل، وتخزن فيها الإمدادات، المؤهلة بهذا كله لتصبح عاصمة آمنة للدولة العربية الإسلامية وهو ما فطن إليه الفاطميون حين انطلقوا من أقصى الغرب يريدون الخلافة، فما أن بلغوا مصر حتى شيّدوا القاهرة واتخذوها عاصمة، وما اضطر إليه الخلفاء العباسيون بعد سقوط بغداد عام 1258 م، فاتخذوا من مصر مقراً للرمز الباقي لوحدة الدولة.

أما حين تضعف السلطة المركزية، فقد كانت مصر تعود إلى دورها الدفاعي ولكن بصيغة صنعتها الجغرافيا والتاريخ معاً. فهي لم تقم بالدفاع عن ذاتها منفردة أبداً، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربي آخر، ومع سوريا على الدوام. وقد بدأ هذا الدور حينما غلب الترك الخلافة العباسية على أمرها.

مصر وسوريا
حين استشعر أحمد بن طولون حاكم مصر الخطر، تجاهل الخليفة العباسي "المعتمد" ووحد مصر وسوريا عام 877 م . وحين سقطت الأسرة الطولونية عادت مصر وسوريا إلى سلطة الخلافة ، ولكن موحدتين عام 905 م . وستبقى مصر وسوريا موحدتين نحو ستة قرون ونصف قرن (من عام 877 م حتى الغزو العثماني عام 1517 م ) وستنضم الحجاز واليمن إلى هذه الوحدة تحت قيادة محمد بن طغج  الإخشيد من عام 925 حتى عام 969 م . ثم سينضم المغرب العربي إلى مصر والشام والحجاز واليمن حين تصبح القاهرة عاصمة الخلافة الفاطمية لتبدأ من عام 969 م حتى عام 1171 أي لمدة قرنين . ويسقط حكم الأسرة الفاطمية وتعود الأسرة العباسية إلى ولاية الخلافة على كل تلك الأقطار موحدة ابتداء من حكم صلاح الدين ومن بعده ما يستحق الانتباه.

دور صلاح الدين
انفصلت سوريا عن مصر أثر وفاة السلطان نور الدين محمود، ولقد حاول صلاح الدين حاكم مصر- بمصر وحدها- أن يتحدى الصليبيين مرتين فانهزم في المرتين (1171 م - 1173 م)على يد أقل ملوك الصليبيين شأناً ، حاكم إمارة مونتريال الصليبية. 

وقد أدرك صلاح الدين أسباب الهزيمة فأدرك أسباب النصر، فظلّ يجهز للنصر أسبابه 14 سنة كاملة، فانطلق أولاً إلى دمشق، وهناك هزم الملك الصالح بالقرب من حماة في أبريل 1175 م، وصفّى قلاع الحشاشين الطائفية المتناثرة في سوريا وأعادها إلى الوحدة. بعدها استطاع أن يتحدى الصليبيين في معركة حطين بجيش عربي، فحرر القدس يوم 2 أكتوبر 1187 م . 

ومن بعد صلاح الدين، سيقود حاكم مصر .. المظفر سيف الدين قطز.. جيشاً عربياً يهزم المغول في معركة عين جالوت في سبتمبر 1261 م . وتصبح القاهرة ابتداء من العام التالي، ولمدة ثلاثة قرون، مقر الخلافة وعاصمة الدولة بعد أن سقطت بغداد عام 1258 م. 

وتؤدي مصر بكفاءة دور القاعدة والقائدة في تحرير الوطن العربي من بقايا الإمارات الصليبية فيحرر الجيش العربي بقيادة الظاهر بيبرس : الكرك وقيسارية وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكيا، ويحرر الجيش العربي بقيادة قلاوون: عكا وصور وحيفا وبيروت. فينتهي الاغتصاب الصليبي عام 1291م.

طور جديد
يكمل مفكرنا الكبير تحليله الرائع لـ "مصر العربية"، فيقول: "لقد دخلت مصر بالفتح العربي طوراً جديداً من تاريخها الطويل، فخلقت من جديد. بدأ هذا الخلق التاريخي العظيم جنيناً في مجتمع المدينة بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي مجتمع المدينة نبتت بذرة الأمة العربية . تحولت القبائل إلى شعب . وتحول الأعراب إلى عرب . واختصّوا دون غيرهم بمدينتهم فأصبحت لهم وطناً؛ وانشأوا فيها دولتهم. أول حاكم لها محمد بن عبد الله (ص) وأول دستور لها " الصحيفة " التي أقامت نظاماً عاماً للعلاقات الداخلية والخارجية ملزماً لكل المواطنين فيها، مسلمين وغير مسلمين، على أساس وحدة الدفاع عن الوطن الواحد".

ثم انطلق العرب بالإسلام إلى ما يجاورهم فالتقوا واختلطوا بمجتمعات كانت قد تجاوزت الطور القبلي واستقرت شعوباً متجاورة، ولكن السيطرة الفارسية والرومانية عليها جميعاً، قروناً عدة كانت قد أوقفت نموها فلم تتحول إلى أمم متجاورة. الحميريون  في جنوب الجزيرة العربية تحت السيطرة الحبشية أو الفارسية منذ عام 575 م حتى ظهور الإسلام. الغساسنة في الجزء الشمالي الغربي وما يحيط بتدمر في سوريا تحت السيطرة البيزنطية منذ القرن الثالث الميلادي حتى ظهور الإسلام. القبائل العربية من بني لخم في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة فيما كان يعرف باسم "العراق العربي" تحت السيطرة الفارسية. كلّ الشعوب فيما بقي من سوريا وفلسطين ثم مصر غرباً، حتى شاطئ المحيط الأطلسي مستقرة متجاورة على الأرض، عبيداً فيها، بمعنى الكلمة، للرومان منذ قرون عديدة.




وحين جاء الفتح العربي الإسلامي،جاء يحررهم جميعاً، إذ قام بما يلي: 
*  رفع عنهم قيود العبودية .
* ألغى  الحدود فيما بينهم .
* قدم لهم لغة مشتركة (العربية) .
* عرض عليهم عقيدة أرقى .
* نظم حياتهم جميعاً طبقاً لقواعد عامة واحدة ( الشريعة الإسلامية) .
* تركهم قروناً في حماية دولته ضد أي تهديد خارجي، فيتفاعلون تفاعلاً حرّاً فيما بينهم، ومع الأرض المشتركة قروناً متصلةً بدون حدود أو سدود أو قيود على حرية الانتقال والمتاجرة والعمل والتعليم والتعلم .
*أشركهم معاً في الدفاع عن حدود الدولة المشتركة، وفي الجهاد من أجل العقيدة المشتركة، حتى إذا ما اشتركت أربعة أجيال متعاقبة منهم في الدفاع ضد الغزو الصليبي الذي استمر قرابة خمسة قرون من الحياة المشتركة، كان الشعب قد أصبح واحداً، وأصبح الوطن واحداً وارتفع بناء الحضارة الواحدة، وتاهت الأنساب، واندثرت المواطن الأولى وانتشر البشر على اتساع الوطن الواحد، فأصبحوا جميعاً أمة عربية واحدة؛ ولم تعد مصر جارة للعالم العربي، ولا حليفاً في الدفاع ضد الخطر المشترك، ولا شريكاً في مصلحة عابرة، بل أصبحت جزءاً من الأمة العربية التي صنعها التاريخ ولم يصنعها أحد على عينه.

الأمة العربية  إذاً - كما يشدد مفكرنا الكبير- : " وجود موضوعي غير متوقف وجوداً أو عدماً على إرادة أحد . فمصر جزء من الأمة العربية بدون توقف على إرادة أحد من مصر أو من غير مصر. كما أن العربي عربي ولو كره ذلك" . كما أن مجرد هذا الوجود القومي دليل موضوعي غير قابل للنقض، على أن ثمة روابط وأسباباً موضوعية، قد نعرفه، وقد لا نعرفها، توحد مصير الأمة، بحيث يكون من العبث الفاشل أن يحاول أي عربيّ، أو جماعة عربية، أو قطر عربيّ، أن يفلت بمصيره الخاص من مصير أمته. سيفشل حتماً ولو في المدى الطويل.

مصر .. مُخ العرب
في قلب هذا الوجود القومي، يعيش تقريباً ثلث الشعب العربي في مصر، وتختزن فيها أنضج عناصر الحضارة العربية الإسلامية من العلوم والآداب والفنون والخبرة المتراكمة اقتصادياً وسياسياً، وتتمتع بأكبر قدر من التجانس الاجتماعي بفضل احتضان الأمة العربية لها وحمايتها من آثار التخريب العشائري والطائفي الذي أحدثته الاعتداءات الشعوبية على أطراف الأمة العربية .

 فمصر- كما يشدد د.عصمت سيف الدولة - هي : " القاعدة لأي تعبئة قومية، وهي القائدة لأي مسيرة قومية، وهي الرائدة لأي نهضة قومية". وهي كما وصفها المؤرخ الفرنسي " بنوا ميشان" في كتابه "الازدهار العربي"،بأنها " مخّ العرب " الذي يتلقى من كل أعضاء الجسم ما تحسه وتعانيه، فيدرك، ويوجّه أعضاء الجسم فيستجيب، وهكذا كان دور مصر في الوطن العربي منذ صلاح الدين حتى أواخر القرن التاسع عشر.

غزا العثمانيون الشام ومصر ( بعد معركتي  مرج دابق والريدانية) ودخلوا مصر في يناير 1517 م حيث تم عزل الخليفة العباسي، وباتوا يمثلون "الخلافة" الجديدة، ورغم ذلك لم يتغير شيء من مصر، فقد اكتفى العثمانيون بأن يحصلوا منها على ربع حصيلة الضرائب، وبأن يولوا الولاة لجبايتها . وبعد أربعة قرون لم يتركوا بها أثراً سوى مسجدين مفرطين في تواضع العمارة : مسجد السنانية، ومسجد " أبو الدهب ". ثم أنهم فصلوا إدارة سوريا عن إدارة مصر لأول مرة بعد ستة قرون ونصف قرن . ولكنهم لم يستطيعوا أن يعزلوا مصر عن الأمة العربية، ولم يقبل الشعب العربي في مصر حتى الفواصل الإدارية.
 
وما أن يتولى الأمر حاكم قادر حتى يلغي تلك الفواصل وينزع نزوعاً يكاد يكون غريزياً إلى الوحدة العربية. وما هي إلا استجابة لروابط موضوعية تشد أجزاء الأمة الواحدة بعضها إلى بعض. هكذا حاول أن يفعل محمد علي ابتداء من 1815م، وهكذا ستكون مصر مأوى العرب الأحرار الهاربين إليها من "القهر الطوراني" حينما يستولي "الترك" على الدولة فيحولونها من دولة مشتركة (امبراطورية ) إلى دولة مسيطرة ( استعمارية )، فيأتي رد الفعل العربي متدرجاً من طلب المساواة، إلى طلب اللامركزية، إلى طلب الانفصال، إلى الوحدة العربية.

التبشير بالوحدة
لقد بشر مفكرنا الكبير بما سبق رصده ابتداء من عام 1965 م، ولعقود طويلة، وهو الأمر الذي ما كان يجرؤ على إنكاره إلا القليل، لا سيما يوم أن كانت مصر تؤدي دورها المنتصر كقاعدة ورائدة تحت راية جمال عبد الناصر. ومن فوق قمة "النصر القومي" في فبراير 1958 م (إعلان دولة الوحدة مع سوريا) لم ينسب عبد الناصر النصر إلى مصر، بل إلى الأمة العربية. 

وهنا يشير مفكرنا الكبير إلى أنه حين سُئل عبد الناصر : "عما يتوقع أن يحدث للعرب لو أنه مات، فقال لسائله : هل تظن أنني أنا الذي خلقت القومية العربية ؟ . . أبداً . أن القومية العربية هي التي خلقتني . لست أنا الذي أثيرها بل هي التي تحملني. إنها قوة هائلة ولست أنا إلا أداتها . ولو لم أكن موجوداً لأوجَدت واحداً، عشرة ، الفاً غيري ، يحلّون محلي . إن القومية العربية لا يمثلها رجل واحد أو مجموعة من الرجال، إنها لا تتوقف على جمال عبد الناصر ولا على الذين يعملون معه . إنها قوة كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كل منهم شعلة القومية . إنها تيار جارف، ولا تستطيع أي قوة في العالم، ولن تستطيع، تحطيمها طالما احتفظت بالثقة في ذاتها".


عصمت سيف الدولة

ويكمل د. عصمت سيف الدولة: " .. ولكن كثيرين كانوا لا يثقون في القومية العربية بالرغم مما كان يقول أكثر حكام العرب في التاريخ تجربة وأغناهم خبرة بدورمصر في الوطن العربي . بل كانوا يرجعون الالتقاء تحت الراية المنتصرة إلى جاذبية النصر ذاته بدون أن يتوقفوا للرد على السؤال : ولماذا لا يلتقي العرب تحت راية منتصرة إلاّ أن تكون راية عربية، ومن حولهم أمم كثيرة انتصرت فلم يلتقوا تحت رايتها ؟ ".

ويختم مفكرنا الكبير هذه الرؤية الثاقبة بقوله: "حينما تكف مصر عن دور الجزء من الأمة العربية تتقلص إلى حد الشلل مقدرة بقية الأجزاء عن أداء دورها، فتتقلص إلى حد الشلل مقدرة مصر ذاتها على أن تؤدي الدور الذي اختارته، فتكاد تنهار كل القوى في الوطن العربي بما فيها مصر. المسألة -إذاً- ليست مسألة قيادة فذّة وقيادة شاذّة، ولا مسألة انتصار أو انكسار، بل هناك تحت جلد الوطن العربي شبكة من الروابط الموضوعية التاريخية التي تقاوم تجزئة الأمة الواحدة، وتحافظ على وحدتها، وتوحد مصيرها، وتعلّم من لا يريد أن يتعلّم أن غاية شرود الجزء من الكلّ الفشل والشلل للأجزاء جميعاً".

 
"على أي حال انقرضت دولة الخلافة لأنها فشلت في أن تعيش في غير عصرها، فهل ثمة من يحلم بالعودة إلى دولة فاشلة ؟".. هكذا بـ "طلقة قلم" يطلق "فيلسوف العروبة " د. عصمت سيف الدولة صيحته المدوية حين تحدث عن "دولة الخلافة"، التي نتوقف عندها في الجزء الثالث من تأملاتنا في سِفره الشهير.. كتاب "عن العروبة والإسلام" بعد نحو 30 عاماً من صدوره.

يصدم مفكرنا الكبير "المتأسلمين" حين يقول صراحةً عن دولة الخلافة التي تتغنى بها كتب التراث : "إن كان المقصود دولة واحدة تضمَ أغلب المسلمين وترعى المسلمين وغير المسلمين فيها رعاية الإسلام لهم كما كان الأمر في دولة الخلافة منذ الخليفة الأول أبي بكر حتى الخليفة الأخير عبد المجيد الثاني، فإنَ نقول إن دولة الخلافة تلك التي لاتزال ذكراها تعشعش في رءوس بعض المسلمين، لم تكن إسلامية في عصرها، ولاهي ممكنة في هذا العصر"؟!!.

والأسباب بسيطة وبدهية، وما عقَد بساطتها وأفسد بداهتها إلا: الذين راحوا يفتشون في كتاب الله عن آية تلزم المسلمين بدولة الخلافة، الذين أنكروا دولة الخلافة لأنهم لم يجدوا في كتاب الله آية تلزم المسلمين بها. والحق أن دولة الخلافة لم تكن دولة إسلامية كما أنها لم تكن دولة غير إسلامية. لأن ما هو إسلامي لا يكون كذلك إلا إذا كان فرضاً أو واجباً وما هو غير إسلامي لا يكون كذلك إلا إذا كان محرَماً أو مكروهاً. أي أن يكون في الإسلام أمر به أو منع له . أما إذا كان مباحاً لاختيار المسلمين: إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا تركوه فمسئولية اختياره أو تركه عليهم وحدهم ولا ينسب اختياره أو تركه إلى الإسلام. 

وقد كان هذا شأن دولة الخلافة منذ أبي بكر. ختم القرآن ولم يأمر بها ولم ينه عنها. وتوفي الرسول عليه الصلاة والسلام وما أوصى باختيار، أو عدم اختيار خليفة من بعده. وعندما قال إن الأنبياء لايورثون قطع كل شك في أن أحداً من بعده لن يخلفه في شيء. لا الرسالة ولا الحكم ولا المال.

ولكنه ترك في المسلمين كتاب الله، وفي كتاب الله أحكام عدة لنظام عام لعلاقات الأفراد في المجتمع كما ترك فيهم تجربة حية من ”دولة ” المدينة التي كان هو حاكمها فكانوا من بعده يواجهون ضرورة بقاء الدولة. وهي ضرورة اجتماعية. كانت كذلك قبل الإسلام وستبقى كذلك في كل مجتمع ولو لم يكن فيه مسلمون . ولقد كان الإسلام ولا يزال فذَاً من بين الأديان والنظم في إقرار الضرورات وتغليب أحكامها حتى على أحكام المحظورات.

ويكمل مفكرنا الكبير: "وهكذا لم يكن قيام ”دولة” في المدينة أو ما بعد هذا فرضاً من فروض الإسلام خاصاً بمجتمع من المسلمين دون باقي المجتمعات حتى يقال ”للدولة” أي دولة ، إنها فرض أو واجب أو ضرورة إسلامية. بل جرى المسلمون على ماجرت عليه، وماتزال تجري عليه، كل المجتمعات لمواجهة ضرورة قيام من يلي (الأمر) المشترك بين أفراد الجماعة ويرعى الحدود بينهم". 

ضرورة اجتماعية
والدولة "أي دولة"، ضرورة اجتماعية وليست ضرورة إسلامية. وصدق علي بن أبي طالب حين قال: "لا بد للناس من إمارة برَة أو فاجرة". وفي مواجهة الضرورة الاجتماعية لبقاء ”الدولة ” التي فقدت حاكمها بوفاة الرسول تشاور قادة المسلمين واختلفوا. كان مظهراً للصراع بين علاقة الانتماء إلى"الشعب" حديث التكوين، وبقايا علاقات "الانتماء القبلي" التي كانت لاتزال كامنة لم تستأصل بعد. صراع جيل على الانتماءين. الانتماء القبلي منذ مولده والانتماء القبلي منذ الهجرة. وسيعود ذاك الصراع إلى الظهور من مكمنه مرات أخرى بعد ذلك كلما عرض أمر اختيار أمير للمؤمنين.

وانتهى التناقض بين طرفي النزاع (المهاجرين والأنصار) في اجتماع "سقيفة بني ساعدة"  بحل "جدلي"، فقد بويع بالخلافة أفضل واحد من عشرة كانوا بمثابة الحكومة في دولة المدينة.. "كانوا أمام الرسول في القتال ووراءه في الصلاة ".

وهكذا نشأت ”دولة” الخلافة ، بعد انقطاع الوحي وبعد انقضاء السنة. وكان مصدرها الوحيد هو اختيار قادة المسلمين بعد وفاة الرسول. وهو اختيار جاء بعد خلاف وصراع وتفاضل على أسس خالطتها العصبية القبلية. وما كان لصحابة رسول الله أن يتفاضلوا على تلك الأسس أو أن يختلفوا في الخلافة لو كان في الإسلام حكم بها. ولن يلبث كثير من أولئك الصحابة أنفسهم أن يختلفوا فيها ويقتتلوا عليها بعد وفاة الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتكون فتنة. ويتأكد بذلك أن ”دولة الخلافة ” لم تكن إسلامية وإلا لما اختلف فيها حتى القتال، أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالقرآن والسنَة.

تكوين الدولة
هناك 3 عناصر لتكوين الدولة : الأرض والشعب والسيادة .. سيادة الشعب على الأرض، التي تمارسها الحكومة، فتسمى حينئذ سلطة.

* أولاً .. الأرض:
كانت ”دولة“ الخلافة على مدى سيادتها الطويلة غير ثابتة الحدود. كانت حدودها تتبع أقدام جيوشها فتقف حيث تقف، وتمتد حيث تتقدم . ولقد بدأت من المدينة ثم الجزيرة العربية، ومازالت تتسع حتى وصلت يوماً إلى حدود فرنسا في غرب أوروبا، وحدود النمسا في شرقها ، وحدود الصين والهند وروسيا في آسيا. بالإضافة إلى كل ما نعرفه الآن باسم "الوطن العربي" الذي لم ينتقص منه شيء منذ الفتح العربي الإسلامي حتى بداية القرن التاسع عشر؛ وبالتالي كان الأكثر استقرارا على مدى قرون طويلة. أما ما يليه في جميع الاتجاهات فقد خرجت منه أقطار وأضيفت إليه أقطار. وكان ”السيف” هو الفيصل فيما خرج وما أضيف، لأنه هو الذي كان يخط الحدود الفاصلة. 

ومن هنا - كما يؤكد مفكرنا الكبير- كانت دولة الخلافة منذ بدايتها حتى نهايتها دولة "مقاتلة" ولا نقول ”عسكرية” حتى لا يختلط ما نريد من بيان علاقاتها الخارجية بما لا نريد من بيان علاقاتها الداخلية. نريد أن نقول إنها كانت دولة "مقاتلة" بمعنى محاربة، غزواً كلما استطاعت ودفاعات بقدر ما تستطيع. وكان القتال أو "الجهاد" نشاطاً مستمراً يشترك فيه كل الرعايا متطوعين أو مجنَدين، وتشترك في التعبئة له كل الولايات، ولو كان عليها ولاة "متمردون".

ولقد اتخذ بعض المنافقين الأوربيين من ذاك التاريخ حجة يزعمون بها أن الاسلام قد فرض بالسيف لا بالدعوة. وأجهد بعض المسلمين أنفسهم في محاولة تبرئة الإسلام من تلك التهمة الظالمة. وكان الطرفان فيما ذهبا إليه مخطئين . لأن ارتباط الحدود بالغزو أو الدفاع ، وبالتالي كون الدولة "مقاتلة " لم يكن اختياراً إسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة - أي دولة - في عصر الخلافة. فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون دولة مقاتلة لتبقى.

* ثانياً.. الشعب:
أما عن الشعب فلم يثبت عدداً ولو عند أرقام الشعوب، بل كان يتبع امتداد الحدود وانحسارها. وقد ضمت دولة الخلافة مئات التجمعات والجماعات البشرية من قبائل وشعوب وأمم مختلفة في الجنس واللون والعادات والتقاليد والأديان أيضاً. وخرج منها عشرات من تلك التجمعات والجماعات. ولم يستقر فيها بدون خروج أو دخول إلا تلك الشعوب التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم الأمة العربية. ولم يكن تعدد الشعوب اختياراً إسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة، أي دولة، في عصر الخلافة، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تضم شعوباً وأمماً شتَى.

* ثالثاً.. السيادة:
وهنا يقول د.سيف الدولة: ".. ونعني بها سيادة الشعب على الأرض، فقد كان تمثلها وتجسدها قيادة مركزية واحدة هي شخص" الخليفة ". وكان يحدث كثيراً أن يتمرد على الخليفة من يطمعون في توليها دونه ويدَعون- بحجج شتَى - أنهم أولى بها منه، وينشئون من تلك الحجج مذاهب وأفكاراً. كما تمرد معاوية بن أبي سفيان في عهد الخليفة عليَ بن أبي طالب وانتصر، فبدأت به ولاية أسرة الأمويين. وكما تمرد أبو العباس السفاح على الأمويين وانتصر، فبدأت به ولاية أسرة العباسيين، والذين تمرد عليهم عبيد الله بن محمد المهدي في المغرب وانتصر، فبدأت به ولاية الفاطميين.. إلخ.

 ولكن بالرغم من كل هذا، وحتى حينما كان ثمة ”خليفتان” في أيام الفاطميين، كانت دولة الخلافة واحدة والسيادة فيها واحدة يمثَلها خليفة واحد. ذلك لأن ” شرعية ” الولاية كانت لخليفة واحد ، وكان كل من يصل، بطريقة أو بأخرى، إلى مركز الخلافة ينكرها على غيره ولو كان غيره متوليها فمنكرها على الآخر. كان لابدَ لأي خليفة أن يدعيها لنفسه وينكرها على غيره. ولم يكن ذلك اختياراً إسلامياً، بل كان إحدى خصائص الدولة، أي دولة، في عصر الخلافة، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون ذات قيادة مركزية واحدة ولو كانت قيادة اسمية.

نظام الحكم
أما عن نظام الحكم فقد كان يتولى الخلافة من يختاره القادة مبايعة في عهد الخلفاء الراشدين، ثم استقرت الخلافة ميراثاً فيما تلا ذلك من عهود لا تقطعها إلا ثورة تتولى بها أسرة جديدة فيكون الأمر فيها وراثة. ولكن حتى وهي وراثة، كان لا بد من أن تتم لها طقوس البيعة من مجموعة محدودة من البارزين في الدولة. وكانت الدولة مقسمة إلى إمارات أو ولايات (أو إيالات في عهد العثمانيين).

 يعين الخليفة ولاتها وأمراءها ويعين بجوار كل وال وأمير ” قاضياً ” ليحكم بين الناس بما أنزل الله . وكانت واردات الدولة من الزكاة والخراج ( ضريبة الأرض ) والجزية . أما فيما عدا ذلك فقد كان الولاة أو الأمراء على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي عن الخليفة بإدارة ولاياتهم أو إماراتهم. وقد حدث كثيراً أن أغرى هذا الاستقلال الذاتي بمحاولة الاستقلال الكامل مثل ما فعل الحمدانيون في شمال الجزيرة والشام ( 929 م )، والطولونيون في مصر ( 869 م) ، والأدارسة في المغرب ( 974م )، وبني الأغلب في تونس ( 800 م ). كما حدث أن أصبح الوزراء من حول الخليفة هم الحاكمين باسم الخليفة يأمرونه فيأتمر كما كان الأمر بين سلاطين السلاجقة من بني بويه وخلفاء من العباسيين على مدى قرن كامل، حمل خلاله أحدهم، بأمر الخليفة عضد الدولة، لقب "ملك الشرق والغرب". ولم يكن كل هذا اختياراً إسلامياً . بل هكذا كان نظام الحكم في الدولة ، أي دولة، في عصر الخلافة. فكان محتوماً على دولة الخلافة أن يكون نظام الحكم فيها كما سبق.

 ومن هنا، فقد  أخطأ الذين قالوا إن دولة الخلافة دولة إسلامية أو إنها النموذج الإسلامي للدولة لأنهم عزلوها عن تاريخها ونموذج ” الدولة ” في عصرها – وما سبق عصرها أيضاً – لتكون ” خاصة” بالإسلام فتستحق أن يقال لها دولة إسلامية. وهي لم تكن كذلك على أي وجه ، بل كانت واحدة من دول عديدة متعاصرة وسابقة تحمل جميعاً الخصائص ذاتها : الأرض غير ثابتة الحدود ؛ الخليط من الشعوب ؛ القتال المستمر ؛ القيادة المركزية الواحدة ؛ الصراع على القيادة المركزية ؛ الولايات المستقلة ذاتياً ؛ تمرد أمراء الولايات على القيادة المركزية ؛ وحتى نظام جباية الأموال. 

وهنا يضرب مفكرنا الكبير هذا المثل: " .. يكفي أن نضرب مثلاً واحداً من تلك الجباية . لقد كانت الزكاة ( أو الأعشار) التي تجبى من الأغنياء وتخصص للإنفاق في حماية الدولة وأجور المدافعين عنها ومساعدة المحتاجين معروفة في الامبراطورية الرومانية . وكانت ضريبة الأرض (الخراج) معروفة فيها كذلك. أما الجزية ( ضريبة الاعناق) فقد كانت معروفة في الامبراطورية الفارسية . ذلك لأن دولة الخلافة لم تكن إلا واحدة من نموذج ” الدولة ” السائد في عصرها – وما قبله – وهو ما يعرف باسم ( الامبراطورية). كل ما يميزها هو المضمون الحضاري لنشاط الدولة، وهو مضمون إسلامي لاشك فيه.

الدولة "الإمبراطورية"
يخلص مفكرنا الكبير إلى أن دولة الخلافة كانت إمبراطورية شأنها شأن: ما سبقها وما واكبها وما لحقها من دول ممتدة، حيث يفصّل بالقول إن التاريخ الذي امتد مئات القرون يجري في ظل "قاعدة شرعية" مستقرة لدى كل المجتمعات، كقاعدة لعلاقة الدولة بالأرض، هي ما يعرف باسم "حق الفتح ". وهو حق لم يتفق المجتمع البشري على إنهاء شرعيته إلا عام 1919 حين وضع عهد "عصبة الأمم" على أثر الحرب العالمية الأولى . أما قبل ذلك ، وعلى مدى التاريخ فقد كان الاستيلاء بالقوة على أي أرض يكسب الفاتحون حق ملكيتها وضمها إلى ممتلكاتهم وهو حق يعرفه الغالب، ويعترف به المغلوب، ويقره الذين لم يكونوا طرفاً غالباً أو مغلوباً.

ولم تكن الأرض، أي أرض، تخص إلا من استولى عليها . وهي لا تخصه إلا إلى المدى الذي يستطيع أن يدافع عنها. فاندثر من الممالك وتكونت" دول " بالغة الاتساع هي الامبراطوريات  مثل: الامبراطورية الهيلينية التي بدأت بغزو الاسكندر الأكبر آسيا الصغرى ( 334 ق.م ) ثم غرب آسيا وفارس والهند ومصر، والامبراطورية الرومانية التي كانت مؤلفة من نحو مائة شعب منذ أن تحولت من مملكة الى امبراطورية على يد أغسطس ( 27 – 14 ق .م ) وشملت كل أوروبا تقريباً وغرب آسيا وشمال أفريقيا، واستمرت 500 سنة . . وكذلك الامبراطورية الفارسية التي شملت كل الأرض من أول اليونان حتى الهند وبقيت إلى أن ظهر الاسلام ، فضلاً عن امبراطورية الصين تحت حكم أسرة الهان التي استمرت 400 سنة ( 202 ق.م  – 221 م). وآخرها الامبراطورية العثمانية (1324 - 1919م).

وهكذا كانت الامبراطوريات- بكل خصائصها - نموذج ” الدولة ” في العصر الذي سبق دولة الخلافة وعاصرها . ولم يكن في استطاعة المسلمين أن يقيموا في الجزيرة العربية "مملكة " بل كان لابد لهم من أن يقاتلوا عند الحدود الشمالية للجزيرة حتى لا تذهب الجزيرة ضحية الامبراطورية الفارسية أو الامبراطورية الرومانية كما ذهبت ممالك جنوب الجزيرة العربية . ولم يكن في استطاعة دولة الخلافة أن تتوقف عن الفتح عند حدود الجزيرة العربية ، ولقد حاول عمر أن يحول دون فتح ما يلي العراق شرقاً بعد فتح المدائن ، ولكن هذا لم يكن متوقفاً على الطرف العربي الاسلامي وحده.

ولم يكن من ” قوانين ” وجود الامبراطوريات ومنها الفارسية والرومانية ، الكف عن القتال قبل أن تصفَى “القوة الجديدة النامية ” ، فلم يكف العرب المسلمون عن الفتح طالما كانوا قادرين . وحين عجزت الامبراطورية العثمانية توقفت ثم بدأ الدفاع ثم الاقتطاع ، إلى أن قسم ما بقي فيها من شرائح على مائدة المنتصرين عام 1919 . اقتسموه ثم اتفقوا في عهد عصبة الأمم على إنهاء مشروعية " الفتح".

لم تكن دولة الخلافة بكل خصائصها ، إذن ، اختياراً اسلامياً . إنها ليست نظاماً للدولة مقصوراً على المسلمين ، وليس الاسلام مصدر نظامها . ولكنها نموذج " دولة " ساد الأرض جميعاً عشرات القرون قبل ظهور الاسلام ومئات السنين بعد ظهوره فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون على نموذج الدولة في عصرها أو ألاَ تكون. وقد كانت.

نموذج بائد
وقد شدد مفكرنا الكبير على أن هذا النموذج انقضى عصره ولم يعد قابلاً للتكرار. ذلك لأن الحروب القبلية ، والقبلية الشعوبية ، التي اسفرت عن ” الامبراطوريات ” استمرت في شكل حروب ” امبراطورية ” قروناً طويلة . وفي قلب كل امبراطورية تجاوز عمرها تلك الحروب فلم تتمزق ، بقيت مساحة كبيرة أو صغيرة من الأرض بعيدة عن تخريب الحروب التي كانت تدور على الحدود ، فتوفرت للشعب أو الشعوب التي تقيم فيها مرحلة تاريخية طويلة نسبياً من الاستقرار دخلت به ، وفي حماية الدولة الامبراطورية ، مرحلة تكوينها القومي ، أو أتمته ، فأصبحت "أمة" بما تعنيه الأمة من اختصاص شعب معين بأرض معينة . ومن ناحية أخرى فإن المطاردة القبلية والامبراطورية دفعت مجموعات من القبائل الى حيث قاتلوا عن مواقعهم وظهورهم إلى البحر، فكان لابد لهم من الانتصار، فالاستقرار، فبدأوا في تكوينهم القومي واصبحوا فيما بعد أمماً . هكذا تكونت الأمة العربية والأمة التركية في قلب دولة الخلافة . وتكونت الأمة الايرانية في قلب الامبراطورية الفارسية ، وتكونت الأمة الايطالية في قلب الامبراطورية الرومانية . وتكونت أمم أوروبا جميعاً من تجمعات قبلية استقرت على الأرض بعد غزوها.

والأمر الجدير بالذكر في هذا السياق أنه لما أصبح لكل شعب أو أمة أرض ، كان لا بد لحق " الفتح " أن يخلي مكانه لحق " تقرير المصير " ومؤداه أن من حق كل شعب أو أمة أن يستقل عن غيره من الشعوب والأمم الأخرى بـ " الأرض" التي يقيم عليها .. فنكون قد وصلنا الى القرن العشرين (فما بالنا بالقرن الحادي والعشرين). وهنا يقول مفكرنا الكبير نصاً: " ونعجب أنه ما يزال في القرن العشرين من يجدون فراغاً من الهموم ليحلموا بعودة دولة الخلافة ، ويزعمون أنها نموذج الدولة الاسلامية. وهو حلم غير قابل للتحقق في هذا العصر لأنه ليس عصر الامبراطوريات وحق الفتح بل عصر " الدول " ثابتة الحدود، وحق تقرير المصير. فلا يكون على من يريد أن يعيد دولة الخلافة أن يفعل أقل من غزو الكرة الأرضية كلها ، وتلك عودة إلى نموذج الدولة الموهومة التي تكلمنا عنها من قبل . من يريد فليحاول ، فهذا شأنه. ولكن لما كان الاسلام من شأننا جميعاً فنرجو أن يعفي " مشروعه الامبراطوري" من نسبته إلى الاسلام حتى لا ينسب فشله إلى الاسلام على الأقل"؟!!.

وسأتوقف هنا برهةً عند تلك العبارة السابقة والصارخة لمفكرنا الكبير : " .. فلا يكون على من يريد أن يعيد دولة الخلافة أن يفعل أقل من غزو الكرة الأرضية كلها" .. ترى ألا يفكر "الإخوان" و"القاعدة" و"الدواعش"- ومن يشابههم من التيارات الظلامية – بالطريقة نفسها؟!!

قـصة "العلمانيـة"


 تأتى المحطة الرابعة والأخيرة من الإبحار في كتاب "عن العروبة والإسلام" لـ فيلسوف العروبة" الراحل الكبير د. عصمت سيف الدولة تزامناً مع مرور 30 عاماً على صدوره ، لا سيما والكتاب يمثل أحد أسفار مفكرنا الكبير المعتبرة، ونخصص هذه الحلقة لـ "قصة العلمانية" والتي باتت أكثر الأفكار والمصطلحات إثارةً للجدل في الآونة الأخيرة، علماً بأن تناول د. عصمت لها كان في سياقها الزمني، ولكن لأنه "مفكر استثنائي" فإن أي شخص يمكنه أن يرجع لما كتبه مفكرنا الكبيرعن العلمانية في أي زمان ومكان لكي يفهم ما استغلق عليه.

بدايةً، يرى مفكرنا الكبير أن" العلمانية" من أكثر الكلمات غموضاً، ولكنها رائجة بشدة في الأدب السياسي. أما على مستوى الكلام المرسل أو الدعائي فقد يكون استعمالها من لوازم الاستعراض الذي يريد به بعض المثقفين الإيحاء بأنهم عالمون أو علماء، أو أنهم ينتهجون العلم في التفكير أو التدبير أو الحركة. والأكثر غرابة ومدعاة لغموض دلالة كلمة العلمانية ما يوحي به استعمالها للتعبيرعن نزعة " الفصل بين الدين والدولة".. من أنها معارضة أو مناقضة للدين . وقد ساعد على شيوع ذلك أنها كانت ثمرة التيار الفكري العقائدي الجارف الذي أخرج أوروبا من ظلمات قرونها الوسطى وعرف باسم حركة التنوير. وقادته الفكريين كانوا ملحدين مثل :( هوجو جروتيوس، - تومس هوبز- وجون لوك ، وآخرون) رغم أن من بين فلاسفة التنوير وقادته الفكريين عباقرة دافعوا عن الدين بسلاح العقل وآمنوا، ليستطيعوا أن يفهموا (منهم : ديكارت - ليبنز- هيجل ، وغيرهم).

وهنا يقرر د. عصمت سيف الدولة أن حركة التنوير الأوروبي ذاتها لم تكن إلا امتداداً لما يسمى في تاريخ أوروبا "ثورة الإصلاح الديني" التي اندلعت في أوائل القرن الـ ـ 16 الميلادي وقادها كل من: "مارتن لوثر"، و"جان كالفن". ولقد كان الإصلاح الديني ثورة ضد احتكار الكنيسة في روما تفسير الإنجيل ومدّ قدسيته إلى المذهب الكاثوليكي، ليصبح المذهب هو الدين.
 ولم يلبث الإصلاح الديني أن تطور ليصبح ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي - كما يصوغه مذهب الكنيسة - فيما سمّي بحركة التنوير، ولم تلبث حركة التنوير أن تطورت إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة ، فكانت العلمانية.



ظن خاطئ
إذاً .. يخطئ الذين يظنّون أن العلمانية مذهب فكري مضاد للدين، ويُخطئ الذين يظنون أن العلمانية قد وفدت إلينا دعوة إلى الإلحاد لتنتزع من قلوبنا الإيمان. ولقد أضل هذا الخطأ كثيرون، فرموها، إذ رموها، حيث ظنّوا موضع الخطورة فيها على الدين.
ويصدم د. سيف الدولة العقول الراكدة حين يؤكد أن أصل العلمانية.. بمعنى الفصل بين الدين والدولة التي يوحى إلينا بأنها مناقضة للدين.. هو مذهب ديني في المسيحية نشأ معها، فرضاً من فروضها، ثم استمر ركناً من أركانها، وجزءًا من تراثها اللاهوتي. لم يدخل العقل البشري إلا بها، إذ لم يكن معروفاً في أي دين من قبل، ولم ينتقل منها إلى أيّ دين من بعد.

اليهود والمسيح
قبيل ظهور المسيح ، كان اليهود (العبرانيون) مجتمعاً قبلياً جائلاً في أنحاء المعمورة، لا أرض له، إلا ما يقيم عليها حتى ينزع عنها، مثلهم في ذلك مثل كل المجتمعات القبلية التي كانت تجوب الأرض إلى ما قبل عصر الشعوب ثم القوميات.ولم يكن اليهود إلا قبيلة لها إلهها الخاص " يهوه".
ويرد مفكرنا الكبير أن تاريخ اليهود يعد نموذجاً يكاد أن يكون كاملاً للدين كمصدر وحيد للسلطة في كل العصور السابقة على ظهور المسيحية ، وبالتالي على غياب فكرة " العلمانية " عن العقل البشري في تلك العصور. فعلى مستوى القيادة القائمة بالسلطة توارث قيادتهم إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم موسى ثم مجموعة من رجال الدين يسمون ” القضاة ” آخرهم صموئيل النبي لمدة 450 عاماً . ثم من بعدهم داود ثم سليمان نحو عام 1000 قبل الميلاد . وكان كل اولئك القادة القبليون " أنبياء" في الوقت ذاته . وكان قادتهم القبليون في ظل السيطرة: الفارسية واليونانية والرومانية "كهنة" يختارهم الفرس واليونانيون والرومانيون إبقاء على نسبة السلطة القبلية إلى الدين ولو كان مصدرها الواقعي لا يهودياَ.

أما على مستوى تنظيم ممارسة السلطة، بالإضافة إلى الأنبياء القادة أو الأنبياء الملوك كان يوجد “السنهديم ” وهو هيئة كهنوتية ذات سلطة عليا. يرأسه رئيس الكهنة وينتخب أعضاؤه من الكهنة والكتبة (علماء الشريعة) واللاويين ( سبط لاوي بن يعقوب)، الذين اختارهم "يهوه " لخدمته. وكان ” السنهديم ” يهيمن على حياة اليهود هيمنة كاملة شاملة، ويقوم بممارسة السلطة بكل فروعها: التشريعية والتنفيذية والقضائية.



رؤية متفردة
حين جاء السيد المسيح - عليه السلام - رسولاً إلى بني إسرائيل، كانت قد سبقته وبشرت بمجيئه عشرات النبوءات الواردة في كتبهم . فالنبي اشعياء قال إن "المسيح سيولد من عذراء ". والنبي ميخا قال بأنه " سيولد فيبيت لحم " . كما أن النبي هوشع فقال إنه "سيلجأ إلى مصر في طفولته" ، فيما قال النبي داود إن أحد تلاميذ المسيح سيخونه ويسلمه إلى أعدائه.
وهنا يوجه د.عصمت سيف الدولة أنظارنا إلى "رؤية متفردة " للسبب الكامن وراء تكذيب اليهود للسيد المسيح، وهو أن: " عيسى بن مريم قد جاء اليهم نبياً ورسولاً ولم يأت ملكاً أو قائداً. ولم تكن اليهودية كما صاغ أحكامها الكهنة، وما كان اليهود كما صاغهم التاريخ قبيلة، بقادرين على فهم أو قبول فكرة ( مجرد فكرة ) الفصل بين النبوة والملك. أو كما يقال الآن فكرة الفصل بين الدين ” والدولة ” أو فكرة ” العلمانية".

الله.. وقيصر
ويكمل مفكرنا الكبير رؤيته المتفردة بالإشارة إلى أنه بمقولة السيد المسيح : " أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ، ولدت فكرة ازدواج السلطة في العقل البشري . وهي لم تولد فكرة مجردة ، بل صيغت أمراً ونظاماً للحياة في مجتمع حي. وهما أمر ونظام لا يستمدان قوتهما الملزمة من معقوليتهما ذاتهما ، ولا من ملاءمتهما لحاجة من وضعا لهم يتبعونهما إن شاءوا ويتركونهما إن أرادوا غير آثمين.. بل هما أمر ونظام يستمدان قوتهما الملزمة من مصدر الإلزام في الدين كله: الإيمان بالمسيح وقدسية تعاليمه. وهكذا لم يكن نظام الفصل بين الدين والدولة(أو العلمانية ) نزعة خارج الدين أو موقفاً منكراً له أو مضاداً، بل هي - أي العلمانية - فرض ديني وركن من أركان الديانة المسيحية.

تاريخياً وحتى القرن الـ 16 كان للباباوات وآباء الكنيسة "رجال الدين" سلطة التشريع لكل الناس في أوروبا ، أي قبل عودة أوروبا إلى القانون الروماني. كما كانت لهم سلطة القضاء لأنهم هم الأولياء على تفسير وتطبيق ومراقبة تنفيذ أحكام الدين. وكذلك كان لهم حق التربية والتعليم باعتبارهم "القلة المتعلمة"التي من مهامها هداية الجهلة والاميين في عصور لم تكن التربية أو التعليم مما يستحق اهتمام الاباطرة والملوك والأمراء . باختصار ، رجال الدين في المسيحية نفر لهم على الناس سلطان . السلطان الذي صاغه السيد المسيح في قوله لبطرس الرسول : " فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ماتحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات" . فهم المرجع فيما هو مباح للناس وما هو محرم عليهم في حياتهم.

وكان لا بد لكل ذلك من مصادر تمويل كافية ومستقرة الكفاية . وبدأت المصادر بتبرعات المؤمنين (ومنهم: ملوك وأمراء ونبلاء وإقطاعيون)، وهم أسخياء في التبرع لمن يملك حق الإباحة والتحريم ويزدادون سخاء لو كانوا منافقين . ثم امتدت المصادر تبعا لما قرره رجال الدين من أنهم اصحاب حق في أن يحصلوا من الأموال والعقارات على ما يقدّرونه لازماً وكافياً لأداء خدماتهم " الروحية " وحماية الدين من "الهرطقة"، واستطاعوا فعلاً أن يكونوا أوسع الناس ملكية للأراضي وأغناهم أموالا وأن يحصنوا أملاكهم ورعاياهم ضد أي ضرائب أو مكوس مما تتقاضاه السلطة المدنية، بل وأن يمتلكوا الممالك ذاتها ثم يردوها إلى الملوك اقطاعيات من عندهم مقابل إتاوات باهظة ، كما فعلوا مع "فريدريك الثاني" ملك ايطاليا ، ومع "بدرو الثاني" ملك أراغون، ومع ملك انجلترا الذي استحق لقب" جان عديم الأرض " بعد أن أجبره رجال الدين على التنازل عن أرض انجلترا كلها للبابا.



تبريرات الإكويني
وفي ظل هذه "السيطرة الكنسية" على مجمل شئون الحياة والحكم، يبرر "الفيلسوف المتدين" .. توما الإكويني هذه السيطرة حين قسّم مصدر السلطة الى ثلاثة أنواع : 
- النوع الاول ..وهو الإرادة الإلهية المحيطة بكل شيء.
- النوع الثاني .. وهو القانون الطبيعي الذي أودعته الإرادة الالهية في ضمائر البشر فيجعلهم يميزون بين الطيب والخبيث.
- النوع الثالث .. وهو النوع الوضعي أو البشري، أي تلك القواعد التي يضعها الناس في مجالات حياتهم الخاصة.

وتأسيساً على ذلك، يعود توما الإكويني فيفرق بين ثلاثة أوجه للسلطة: 
- الأول.. الجوهر أو المبدأ .. وهو إرادة الله وتؤديه الكنيسة .
- الثاني.. الشكل أو الأسلوب ( ملكية أو ارستقراطية .. إلخ)، وهذه يميز بينها ويختارها الحكام.
- الثالث.. الممارسة أو التنفيذ.. وهذه يؤديها البشر. 
وهكذا أراد توما الإكويني– كما يشير د. عصمت سيف الدولة - أن يلائم بين الحق الالهي ( مصدر سلطة الكنيسة ) وبين صور ممارسة السلطة وأشكال الحكم ، مع الاحتفاظ بمصدر الحق في الحكم وسند شرعيته ، أو جوهر السلطة ومبدئها ، لـ "الارادة الالهية"، لتبقى اليد العليا للكنيسة .
وبعد توما الاكويني، يأتي "جيل الروماني " الذي كان تلميذاً له في جامعة باريس ، واستحق من بعده لقب " أكثر المفكرين عمقا " ليكون اكثر صراحة فينطلق من أن الله موجود في كل شيء بما في ذلك عقل الإنسان وحواسه لينتهي إلى القول بأن للبابا ( ممثل الله في الأرض) : حق السلطة على كل واحد وكل شيء في الأرض؟!!.

الإصلاح الديني
وفي ظل تلك الرؤية المهيمنة للكنسية، ظهرت فكرة الإصلاح الديني على يد الألماني "مارتن لوثر"، ثم السويسري "جان كالفن" ، مع تأكيد أن كليهما كانا من أشد القائلين بالطاعة المطلقة للحكام المدنيين ( الملوك والأمراء ) حتى ولو كانوا طغاة. ولكن كل منهما عالج العلاقة بين الكنيسة والدولة علاجاً مختلفاً.
 أما مارتن لوثر فقد أثمرت دعوته عن " تبعية الكنيسة للدولة". وفي ظل سيادة مذهبه ( البروتستانتية ) في انجلترا استطاع هنري الثامن أن يقطع علاقة الكنيسة الإنجليزية مع البابا ، وأن يعلن نفسه (وهو ملك) رأساً للكنيسة ( 1534م) . وأما جان كالفن، فقد أثمرت دعوته عن "تبعية الدولة للكنيسة".



إرهاصات الثورة
كان الصراع بين الكنيسة و الدولة على مدى القرنين السابقين على الثورة يدور في واقع تاريخي تجاوزت فيه الكنيسة حدود " ما لله " وأصبحت فاعلاً مؤثرا وشريكاً في ممارسة ما " لقيصر " من السلطة . فقد كان رجال الدين قوة مستقلة وموازية لقوة النبلاء في برلمانات انجلترا إلى أن انعقد "البرلمان النموذجي" عام 1295 م حيث أضيف إلى القوتين ممثلون عن" البرجوازية الصاعدة".
وكانوا كذلك في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) إذ كانت مكونة من ممثلي ثلاث طوائف مستقلة ومنفصلة : رجال الدين، والنبلاء، والعامة .. مستقلة الرأي لكل منها صوت ، ومنفصلة في مكان الاجتماع، ومتساوية العدد :لكل منها 300 مندوب. والغريب أن ممثلي الكنيسة كانوا 300 من أصل 160 ألف رجل دين، بينما الـ 300 عضو من العامة كانوا يمثلون 26 مليون فرنسي؟!!.

ومع الوقت، زيد ممثلو العامة فأصبحوا 600، عام 1788م قبل أن تدعى الجمعية إلى الانعقاد بناء على طلب الملك لويس السادس عشر في يناير 1789م حيث أصر ممثلو العامة (الشعب) على ضرورة الانعقاد في مكان واحد، وأن يكون لكل مندوب صوت وتكون القرارات بأغلبية الحاضرين. وكانت تلك هي إرهاصة الثورة الأولى التي تحولت بها الجمعية الوطنية إلى جمعية تأسيسية أخذت على عاتقها وضع دستور لفرنسا بالإضافة إلى علاج الأزمة الاقتصادية التي دعيت أصلا لمناقشتها.
وقد كان البحث عن حل للأزمة الاقتصادية مدخلاً مناسباً إلى حل الأزمة الدستورية، والتي كانت بدورها مدخلاً مناسباً لحسم الصراع التاريخي بين الكنيسة والدولة لمصلحة مبدأ الفصل بينهما ليبقى " ما لقيصر.. لقيصر، وما لله .. لله".

الكنيسة داخل الدولة
تصدرت الجمعية الوطنية للأزمة الاقتصادية الخانقة ، ولم يعد هناك إلاّ حل واحد يضرب عصفورين بحجر صائب - كما يقول مفكرنا الكبير- : يحلّ أو يخفف الأزمة الاقتصادية من ناحية ، ويجرد الكنيسة من قوتها التي مكنتها من التدخل في شئون الدولة من ناحية أخرى . فلم تتردد الجمعية في اتخاذه تحت شعار رفعته : " الكنيسة داخل الدولة وليست الدولة داخل الكنيسة" . وهكذا أصدرت يوم 2نوفمبر 1789م مرسوما بأن" تؤول كل ممتلكات الكنيسة إلى الأمة "، وتتولى خزانة الدولة دفع مرتبات لرجال الدين، كما تنتقل إلى الدولة كل أنواع النشاط غير الديني الذي كانت الكنيسة تقوم به، ومؤسساته، مثل المدارس والمستشفيات. 

وفي 12يوليو 1790م، أصدرت الجمعية ما عُرف بـ" الدستور المدني لرجال الدين"، وكانت أهم بنوده - بالإضافة إلى ما سبق- أن يكون تولّي المناصب الدينية بالانتخاب ، كما هو الحال بالنسبة إلى القضاة ، ثم تحريم النشاط السياسي على الكنيسة ؛ وأخيرا أن على رجال الدين أن يقسموا يمين الولاء لهذا الدستور.
وقد أفتى البابا بيوس السادس في 10 مارس 1791 م برفض الدستور وتحريم القسم على الولاء له، وهنا كان جزاء الذين استمعوا إليه أن جُردوا من سلطتهم وأملاكهم، وأما الذين أقسموا على طاعة الدستور فقد ظلوا "رجال الدين" في كنيسة "مختلفة السلطة" عن الكنيسة السابقة.. وهكذا ردّت الثورة الكنيسة إلى حدها من المبدأ العلماني : "ما لله لله".
 


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول عصمت سيف الدولة
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن عصمت سيف الدولة:
بيان طارق - عصمت سيف الدولة


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية