Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 22
الأعضاء: 0
المجموع: 22

Who is Online
يوجد حاليا, 22 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

دراسات فكرية
[ دراسات فكرية ]

·البعث والمقاومة العراقية والطائفية ج/1 ... بقلم المفكر العربي د. موسى الحسيني
·البعث والمقاومة العراقية والطائفية ج2 - موسى الحسيني
·عبقرية حب مصر – جمال حمدان والفكر القومى الناصرى - محمد شوقي السيد
·ثقافة الناصريين حتى تصبح ناصريا - محمد شوقى السيد
· عن التفسير السياسى للدين - د.صبري محمد خليل
·الاشتراكيه والاسلام - د. صبري محمد خليل
· التنظيم الشعبي الناصري-1986-2004 من الاعتقال.. إلى الاندماج بالاتحاد الاشتراكي
·مصالحة الإستعمار دون خروجه...تقاسم الوطن مع العدو: عزمي بشارة كحالة دراسية *
·هل كان السادات وأشرف مروان إعضاء فى هذه المنظمه المخابراتيه الغربيه ؟

تم استعراض
50362713
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
دور الدولة القطرية في ترسيخ التاريخ القطري - د. نديم البيطار
Contributed by زائر on 25-1-1429 هـ
Topic: نديم البيطار




دور الدولة القطرية في ترسيخ التاريخ القطري د. نديم البيطار عندما ننظر الى وضعنا التاريخي الحالي كعرب، كأمة عربية، فان الواقعة الاساسية الكبرى التي تطالعنا هي الظلام الدامس الذي يلف هذا الوطن العربي من اقصاه الى اقصاه، هي الحلقة المفرغة التي ندور فيها مراوحين في مكاننا من
الرباط الى عدن، هي الشعور الخانق باننا نواجه طريقاً مسدودة في نضالنا القومي وكأن الهزيمة محتومة على كل نضال نقوم به في كسر اغلال هذا الواقع وتجاوزه.

هذه هي الواقعة المرة الاليمة التي تواجهنا والتي يجب الاعتراف بها والانطلاق منها. ولكن حتى الامس القريب وبالضبط حتى عام 1970 ومن اواخر الخمسينات وعبر الستينات كنا في حالة تتناقض تماما وجذريا مع هذه الحالة .

عند مقارنة الوضع الذي كنا نجد انفسنا فيه في المرحلة الاولى بالوضع الذي نجد انفسنا فيه في المرحلة التاريخية الحالية، فان إدراك التغيير الجذري الذي حدث تاريخيا في هذا الوضع يجب ان يحدث فينا رعبا فظيعا، ولكنه رعب يمكن ان يكون خلاقا ومفيدا من زاوية وحدوية او قومية تاريخية ان نحن ادركنا طبيعته وجدليته الموضوعية. فني بضع سنوات فقط تحول هذا الوضع من الجذور وانقلب رأسا على عقب ؛ في هذه المدة القصيرة انعكس نظام الاشياء التاريخي الى درجة ضاعت معها الارادة العربية الواحدة التي كانت تؤكد ذاتها عبر الوطن العربى فتضبط احداثه واتجاهاته وزال ذلك المد الوحدوي التاريخي الذي كان يخيف ويرهب حتى الموت الانظمة والقيادات المحلية والمحافظة والقوى الامبريالية المساندة لها، وتبعثر موقف الصمود الحاسم امام الاحتلال الامريكي- الصهيوني لفلسطين- وهو الموقف الذي كان يؤكد ذاته حتى اثناء النكسات والهزائم- وماتت القدرة على المبادرة التاريخية التي كانت تميز النضال العربي فأصبح هذا النضال في حالة انحسار دائمة وتفكك مستمر ينشغل بنزاعات محلية مختلفة بدلا من الانشغال بالمقاصد التاريخية العليا التي كانت منطلقا ومرجعا له في تلك المرحلة السابقة، واصبح العربي فريسة اليأس والبلبلة والفوضى بدلا من الآمال المشرقة والاهداف الواضحة التي كانت تكشف عن طاقاته وتوجهها في وجهة تاريخية واضحة وحدوية القصد والمنطلق .

في تلك المرحلة السابقة كان لنا، بكلمة مختصرة، ارادة تاريخية واحدة نتكلم بها مع التاريخ والعالم، ارادة تاريخية واحدة يستمع لها العربي ويعمل بها من الخليج الى المحيط ، ارادة تاريخية واحدة نواجه ونلاحق بها الاعداء والقوى العدوانية من الداخل والخارج ، نعلو بها على النكسات والهزائم، بل نستخدم بها هذه الهزائم والنكسات نفسها في تجاوز وضعنا وتصحيح نضالنا ضد هؤلاء الاعداء. ولكن الآن تحولت تلك الارادة التاريخية الواحدة الى فسيفساء من الارادات القطرية المتنافرة المتناقضة، وفي بعض الاحيان المتقاتلة، التي تبعثر الطاقات، وتهدر الموارد وتشتت الامكانات، وتحول هذا الوطن الى مستنقع قطري يزداد اتساع روائح دوله القطرية وسمومها القاتلة مع الوقت. في. تلك المرحلة كنا نعيش في قلب التاريخ ، ومع التاريخ ، وعلى مسافة ما من التاريخ تسمح لنا بتطويعه بقدر ما على الاقل لمقاصدنا التاريخية، اما الآن فاصبحنا مهددين بدخول مقبرة التاريخ .

في تلك المرحلة كنا نعيش ونحيا كما يجب على كائنات انسانية تحترم نفسها ان تعيش وان تحيا، اما الآن فاصبحنا نحيا وكأن معالم الحياة نفسها ضاعت عنا . في تلك المرحلة كنا نقبل على الحياة نريد صنعها كعرب ، كأمة واحدة ، كشعب واحد، اما الآن فاصبحنا نعيش في اطار الدولة القطرية كمرجع اساسي ونهائي، أي على هامش التاريخ واقرب الى النبات منا الى الانسان الذي تفرض عليه انسانيته نفسها ممارسة ارادة يعلو بها على ذاته وواقعه ويحاول بها سيادة الحياة وصنع التاريخ.

كيف حدث هذا لنا؟.. ما هي الاسباب التي يمكن ان تفسرما حدث؟.. ما حدث يعود، بكلمة مختصرة، الى كوننا قد انتقلنا من وضعية تاريخية كانت تعبر عن ذاتها بما يمكن تسميته بآلية وحدوية الى وضعية تاريخية جديدة أصبحت تتحكم بها الآلية- النقيض ، أي الآلية القطرية. هذا هو السبب الاساسي الذي يفسر الحالة التاريخية التعيسة التي وصلنا اليها . هذه الحالة لا تعود بالتالي الى خلل ذاتي في الانسان العربي او الامة العربية، لا تعود الى غياب الطاقات والموارد، لا تعود الى فقدان الامكانات والمؤهلات القيادية الكبيرة ، لا تعود الى ضياع الاستعداد للتضحية ونكران الذات والاقبال على الموت نفسه في الدفاع عن حريتنا وكرامتنا القومية، بل تعود الى سيادة هذه الآلية الاخيرة . لهذا فان هذه الحالة التعيسة ستستمر، بل ستزداد مهانة مع الوقت والى ان ننجح في وضع نهاية لهذه الآلية، ولكن هذا النجاح لا يرتبط برغباتنا، وهو غير ممكن دون ظهور آلية وحدوية جديدة تحل محلها. ولكن هذه الآلية لا يمكن ان تظهر دون ظهور ما يمكن تسميته بالوضعية الوحدوية الموضوعية التي تفرزها، وهي وضعية تعني مجموعة من القوانين العامة التي يمكن الكشف عنها وتحديدها بالرجوع الى دراسة وتحليل الظاهرة الوحدوية كظاهرة تاريخية اي الظاهرة التي كانت تنتقل بها مجتمعات مجزأة اوكيانات سياسية مستقلة من حالة تجزئة الى حالة وحدة.

في ثلاثة كتب تبلغ الالف ومائتي صفحة وهي كتاب (من التجزئة الى الوحدة) وكتاب (النظرية الاقتصادية والطريق الى الوحدة العربية) وكتاب (حدود الهوية القومية: نقد عام) وخصوصا في الكتاب الاول، رجعت الى هذه التجارب الوحدوية التاريخية بدراستها وتحليلها، وكنتيجة لهذه الدراسة التحليلية الجامعة كشفت عن انتظامية عامة او قوانين عامة كانت تعيد ذاتها فيها . هذا كشف لي ان اهم هذه القوانين هو ما اسميته بقانون الاقليم- القاعدة ، اي وجود اقليم بين الاقاليم المدعوة الى الوحدة يقوم بقيادة العمل الوحدوي ، وترتبط به حركة التوحيد السياسي عبر الوطن المجزأ كقاعدة ومحور لها . لهذا اسميت هذا القانون بالقانون الحفاز، اي القانون الذي يعني وجوده تحريك القوانين الاخرى ، واطلاقها، والكشف عن طاقاتها الوحدوية. هذا يعني، بكلمة اخرى، ان العمل الوحدوي لا يستطيع النجاح دون توفر هذا الاقليم- القاعدة ، وانه دون هذا الاخير يراوح في مكانه، عاجزاً سياسيا عن تحقيق الانتقال الى دولة واحدة او اية قفزة جدية نحوها.

هنا نجد المتغير الاساسي بين المرحلة الاولى والمرحلة الثانية او الحالية. ففي الاولى توفر للعمل الوحدوي دور هذا الاقليم- القاعدة في مصر الناصرية، وفي الثانية زال هذا الدور، فظهر ذلك التناقض الهائل الذي اشرنا اليه بين المرحلتين. وجود هذا القانون بشكل رتيب في تجارب التاريخ الوحدوية يعني ان طبيعة عملية التوحيد السياسي تفرض في جدليتها الخاصة المستقلة هذا الدور.

في تلك المرحلة كان يوجد عمل وحدوي ينطلق من قاعدة له تربط بين جميع معارك العرب وتطوعها لخدمة التحرير والتوحيد، تحرير العرب وتوحيدهم . ولكن الآن زالت تلك القاعدة التي كانت تتخذ القرار العربي الاعلى الذي نرتبط به ، فتحولت تلك المعارك عن التحرير والتوحيد، واصبحت منشغلة باطاراتها ومراجعها القطرية التى تقتل العرب وتبعثر امكاناتهم وطاقاتهم . في تلك المرحلة كان لنا مرجع نرجع اليه من المحيط الى الخليج، وبالرجوع اليه نتجاوز الروابط والانتماءات المحلية، ولكن زوال المرجع حرر هذه الاخيرة فهيمنت، وكانت هيمنتها تعني ليس فقط التشتت القومي، تشتت الارادة التاريخية الواحدة التي كنا نعمل بها في قوالب قطرية محلية، بل امتدت من ذلك الى قوالب طائفية، مذهبية وقبائلية وعشائرية داخل الدولة القطرية نفسها. هذا يعني، فيما يعنيه، تكريس التاريخ القطري على حساب التاريخ القومي ، اي النظر الى التاريخ من زاوية الدولة القطرية التي يتم عبرها التفاعل مع هذا التاريخ، وليس من زاوية الوجود القومي الواحد الذي لا يستطيع في الواقع ، في غياب الدولة القومية الواحدة، التعبير عن اية ارادة تاريخية واحدة تطوع ارادات الدول القطرية او تتجاوزها.

هذا الوضع الذي يفرز هذا التشتت، ويعزز ويغذي التاريخ القطري بارادته التاريخية المتناقضة والمتنازعة وحتى المتقاتلة، سيظل قائما ويزداد اتساعا وحده مع الوقت الى ان تتوفر لنا وضعية وحدوية موضوعية جديدة، وضعية يشترط وجودها وجود الاقليم- القاعدة ، الذي نرتبط به آنذاك في التعبير عن الارادة العربية التاريخية الواحدة، والذي نتجه اليه وكأنه دولة الوحدة ، فنتفاعل مع التاريخ، بالرجوع اليه والارتباط به، تفاعلا تاريخيا موحد الاتجاه والقصد، وهو تفاعل نحتاج اليه ولا يمكن بدونه التصدي بأي نجاح فعال لآلية التجزئة القطرية التي ترتبت على وجود الدولة القطرية كمرجع تاريخي، فنعمل على الاقل على تجميد هذه الآلية الى ان تقوم دولة الوحدة من الرباط الى عدن .

القصد الوحدوي- اي القصد الذي لا يمكن بدونه تحقيق اي قصد من مقاصدنا المستقبلية ، والذي لا يمكن بدونه العمل مع التاريخ او دخوله مساهمين في صنعه، والذي لا يمكن بدونه لاي عربي ابدا ان يكون ثوريا او تقدميا او متحررا- هذا القصد الوحدوي الذي كان ايمانا جماعيا ديناميكيا في المرحلة الاولى التي اشرنا اليها انحسر وتقلص ولكنه لم يتحول بعد من قصد حي الى شيء ينظر اليه الناس كوهم ، كنزوع طوباوي او مثالي مجرد دون جذور في التاريخ . ولكن استمرار التجزئة وما يترتب عليها من آلية قطرية يهدد بتحويله الى هذا المصير. ولهذا يجب، ان كنا حقا امناء لهذا القصد الذي ترتبط به قدرتنا على تحقيق اي مستقبل عربي جديد ، ان نتدارك الامرفنقوم بجهد فكري جبار مركز عبر الوطن العربى نحاول فيه تجميد تلك الآلية القطرية، والدعوة الى هذا القصد، والكتابة حوله، والتبشير به الى ان تعود اليه المبادرة التاريخية في توفر وضعية وحدوية موضوعية جديدة . هذا القصد لم يستسلم بعد، ولكن استمرار التجزئة دون اقليم- قاعدة يهدد بذلك، ينذر بمجيء زمن يستسلم فيه نهائيا للاقليمية على الاقل في المرحلة التاريخية الحالية او هذا العصر. هذا الوضع المتردي والذي يزداد ترديا مع الوقت يفرض ، في التصدي له، تجديد حيوية المقياس الوحدوي باعتباره المقياس الاعلى والمطلق .

هذا ما يفسر اذن الفرق الكبير الذي اشرنا اليه بين المرحلة الاولى والمرحلة الثانية الحالية التي نعيش فيها ابتداء من بداية السبعينات. ما حدث هو زوال الآلية الوحدوية التي ترتبت على وجود الاقليم- القاعدة، وحلول الآلية القطرية محلها، الآلية التي ترجع ألى الدولة القطرية كمرجع نهالي لها. غياب الاقليم- القاعدة يعني ان الدولة القطرية تفرز في وجودها ذاته، في جدليتها الخاصة، هذه الآلية التي تتسرب الى جميع جوانب الحياة الاساسية فيها، أي في القطر الذي نحتله. فكيف تتكون إذن هذه الآلية القطرية؟

الآلية التاريخية

تفرز الدولة القطرية، أولا، ما يمكن تسميته بالآلية التاريخية- اي تفاعل القطر مع التاريخ في اطار الدولة القطرية، بالانطلاق منها والرجوع اليها كضابط وموجه له. فالتفاعل التاريخي الموحد الذي يوفره الاقليم- القاعدة في غياب الدولة الواحدة ، والذي لا يمكن بدونه في المدى البعيد للاقاليم المنفصلة بناء هوية قومية واحدة او المحافظة عليها ان كانت موجودة ، هذا التفاعل زال من وضعنا وحلت محله تفاعلات تاريخية مختلفة متناقضة بعدد الدول القطرية.

التفاعل الاجتماعي في جماعة او علاقة اجتماعية معينة يقود، بصرف النظر عن مقومات ومقاصد الاجزاء المكونة له، الى نتائج جديدة تفرض سياستها وادراكها في ارضيتها الخاصة كنتائج جديدة تترتب اساسيا على جدلية هذا التفاعل وليس على نيات الاجزاء المتفاعلة فيه . هنا نجد الفرضبة الاولى او الاهم لعلم الاجتماع الحديث .

التفاعل التاريخي الموحد حول اقليم بين اقاليم المجتمع المجزأ، حول كيان سياسي بين الكيانات السياسية التي كانت تتجاوز ذاتها في دولة واحدة ، هو الذي كان يقف وراء ظهور الدول الجديدة عبر التاريخ، وخصوصا الدولة القومية الحديثة. هذا التفاعل الذي كان يحدث في اطار اقليم اوكيان سياسي كهذا، ويعود اليه كمنطلق ومرجع هو الذي كان يوجه عملية التوحيد ويضع حدودها. فهذه الدول لم تكن، بكلمة اخرى ، نتيجة رؤيا تبوئيه، تدبير واع ، ينظم ظهورها او تخطيط دقيق مسبق يضع حدودها، بل كانت نتيجة صراعات ومنافسات اعمال ومصالح وسياسات ومطامح واطماع متشابكة لا تقع تحت حصر، سواء كانت تعمل في اتجاه واحد او اتجاهات مختلفة ومتعادية، وتقود الى شيء جديد لم يكن مقصودا او مخططا له من البداية.

فالاختلافات المحلية، من اثنية ولغوية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، واقتصادية كانت تنحسر وتخلي مكانها لتجانس عام يتزايد مع الوقت نتيجة هذا التفاعل التاريخي الموحد العام في اطار سلطة سياسية مركزية . ان اعرق القوميات الحديثة ظهرت نتيجة هذا النوع من التفاعل الموحد. فالروس مثلا، لم يكونوا روسيا، والانجليز لم يكونوا انجلترا، والفرنسيون لم يكونوا فرنسا، لان هذا التفاعل هو الذي كون روسيا والروس ، فرنسا والفرنسيين، انجلترا والانجليز .. الخ .

هنا نجد مبدأ اساسيا تعترف به وتنطلق منه العلوم الاجتماعية الحديثة. والواقع الاجتماعي التاريخي الذي ينشأ فيه الانسان هو الذي يكون هويته، وعندما يتغير هذا الوسط تتغير هذه الهوية. ان نحن اردنا بالتالي تغير الانسان وجب تغييرالوسط الاجتماعي الذي يتفاعل معه وتنظيمه بشكل جديد يقود إلى ذلك.. هذا يعني مثلا، فيما يتعلق بموضوعنا، ان العربي يحتاج ، كي يستطيع المحافظة على هويته العربية فيمارس ارادة تاريخية أو قومية واحدة إلى وسط واحد مماثل يمكن فيه ممارسة هذه الارادة . والحال أن الدولة القطرية تعني تعدد وتناقض هذا الوسط ، وهذا يعني بدوره تفاعلات وممارسات وتناقضات تقود في المدى البعيد إلى طمس الهوية العربية الواحدة واعادة صياغتها وتكوينها في هوية الدولة القطرية.

في مطلع العصرالحديث صاغ جون لوك نظرية جديدة تؤكد على فرضية الحسية ( Sensualism ) . فمصدر المعرفة كلها هو في الحواس ، والعلم يعني تطبيق المنهج العقلاني على المعطيات التي توفرها هذه الحواس لان الناس انفسهم كائنات عقلانية. فهؤلاء ليسوا اشراراً في ذاتهم بشكل طبيعي أو فطري ، لان الوسط والتعليم يحددان بشكل كلي القدرة في طباعهم أو هوياتهم . ماركس نبه بأن الحسية تحافظ في هذا النوع من المادية على ازدهارها. وان هجوم فيورباخ على التجريد الهيجلي كان مكملا أو متابعا لمادية لوك ، النقطة الاساسية في الانتقال من المادية الحسية إلى الاشتراكية كانت كما اشار بعض المفكرين في التوكيد بأن الوسط هو الذي يحدد اساسا هوية الناس . فان كان الانسان يستمد جميع معرفته من تجربته الوسطية ، أي من وسط معين، فان الحس السليم والاخلاق يفرضان اذن ضرورة تنظيم العالم الاجتماعي بشكل يستطيع فيه الانسان ان يختبر وأن يحقق ما هو انساني حقا، وبأن يصبح واعياً لذاته كإنسان . هنا يبرز خطر الدولة القطرية. انه في قيام وسط قطري يعزز ويغذي نمو هويات قطرية جديدة على حساب الهوية العربية الواحدة ، وذلك لأنه وسط يجعل من الصعب على العربي أن يحقق ذاته كعربي ، وبأن يصبح واعياً لذاته كعربي وعربي فقط .

من العبث ان نفتش عن سمة مشتركة أو مصلحة واحدة معينة تقترن بالقومية في كل مكان . ليس هناك من عامل واحد، سواء كان اللغة، أو تقليداً خاصاً أو ديناً أو أرضاً أو وعياً عرقياً أو مصلحة اقتصادية أو حتى حياة سياسية واحدة .. الخ ، يكون جزءا دائما منها. ونادرا ما نجد ان عوامل واحدة تعيد ذاتها في قوميتين .

التحديدات التي كانت مماثلة لتحديد ارنست رينان الشهير والذي يقود بأن " ما يشكل الأمة ليس التحدث بلغة واحدة أو الانتماء إلى نفس الجماعة الاثنية، بل تحقيق أشياء كبيرة معا في الماضي، والرغبة في تحقيقها في المستقبل " ، هي أهم ما ظهرفي تحديد هذه الظاهرة ، ولكنها تكشف عن نقص اساسي وهو تجاهل الاطار السياسي الذي يجب أن يحدث فيه هذا التحقيق للاشياء الكبيرة. فهذا الشرط يمكن أن يتحقق لعدد لا يحصى من الجماعات : لعائلة، لقبيلة، لحركة سياسية، لطائفة دينية، لشركة اقتصادية، لعمال مصنع واحد، أو حتى لعصابة.. الخ.. جماعة كهذه لا تصبح امة نتيجة لذلك . فالقومية هي الشعور بوحدة حال ومصير استطاعت، في ظل اوضاع تاريخية توفرت لها في مرحلة او عصرتاريخي معين : أن تحقق دولة واحدة أو أن تعمل على تحقيق دولة كهذه. فكيف يمكن لتحديد رينان وغيره من التحديدات المماثلة أن تصح؟ يجب اذن الاضافة بأن تلك الاشياء الكبيرة التي تحققها جماعة ما انما كانت تتحقق في اطار دولة واحدة أو في العمل على اقامة هذه الدولة، لأن هذا وحده يوفر لها التفاعل التاريخي الموحد، الوسط الاجتماعي السياسي المشترك الذي يمكن فيه ظهور القومية أو تكوين الامة الواحدة ، الشعور بالقومية كان يحتاج كي ينمو ويتطور إلى المشاركة في حياة واحدة ولكن هذه المشاركة كانت تعني سلطة سياسية واحدة تحدث فيها وتبرر وجودها وتدعو إلى الاحتفاظ بها.

كثيرون من الفلاسفة والمفكرين أخذوا يتكلمون في القرن العشرين عن اشكالية الانسان . عندما نراجع مفاهيمهم ونظرياتهم حول أسباب هذه الاشكالية، نجدها كلها تشير بشكل أو آخر، مباشرة أو غير مباشرة ، إلى غياب مرجع عام موحد، ينطلق منه هذا الانسان . لم يعد هناك ، في عبارة الفيلسوف ارنست كاسيرر، مثلا، أية سلطة مركزية : لاهوت، ميتافيزيقا، علم، أو أي شيء آخر يستطيع أن يوفرمرجعا يمكن أن تعاد اليه الاختلافات في وجهات النظر، وهي طبيعية في أي حال، كما أنه لم يعد هناك اي مبدأ مقبول بشكل عام، وحتى في فروع العلم المختصة، كعلم النفس، مثلا.

الاشكالية القطرية التي تواجهنا، والتي تهدد بتدمير جميع مقاصدنا المستقبلية في التحرر والتقدم، وبتحويلنا إلى شعب مسحوق دائم، وباخراجنا من مجرى التاريخ والعيش على هامشه، هذه الاشكالية تعود اساسيا ، هي الاخرى ، إلى غياب المرجع الواحد الذي يتمثل باقليم- قاعدة يتم بالارتباط به التفاعل التاريخي الموحد الذي يمكن الحفاظ على هويتنا القومية وشحذها إلى ان تقوم دولة الوحدة . هذا الغياب يعني أن الدولة القطرية اصبحت هي المرجع وأخذت بالتالي تفرز آلية تاريخية، أو بالاحرى آليات تاريخية بعدد الدول القطرية، تكرس القطرية وما يترتب عليها من اقليمية نفسية وفكرية.

كثيرون، كثيرون في الغرب يتكلمون ايضا عن ازمة الهوية التي تعني الانسان الحديث . والهوية هي تنظيم طاقات الفرد النفسية والعقلية في بنية واضحة يعمل فيها على تحقيق مقاصد عامة معينة، ولكن هذا التنظيم يحتاج كي يكون- وذلك باعتراف وتوكيد عدد كبير من علماء النفس والاجتماع الذين انشغلوا بالموضوع- إلى محور تتمحور فيه وحوله وحدة هذه الطاقات .

الازمة القومية التي تواجهنا تعود، هي الاخرى ، إلى غياب هذا المحور الذي يمكن ان يتمثل، كما اشرنا مرارا، في اقليم- قاعدة فقط يستطيع وجوده وحده أن يفرز آلية تاريخية وحدوية تحل محل الآلية التاريخية القطرية التي تفرزها الدولة القطرية . فكما أن ذات الفرد تتمزق في تناقضات داخلية وتتبعثر طاقاتها وامكاناتها فتدور على ذاتها في فراغ وحالة ضياع بدون ذلك المحور ، كذلك ايضا تتمزق الهوية القومية العربية في تناقضات داخلية وارادات تاريخية متناقضة مستقلة، فتدور على ذاتها في فراغ وحالة ضياع بدون ذلك الاقليم- القاعدة الذي يستطيع وجوده وحده أن يدفعها إلى تجاوز هذه التناقضات والارادات، والى الكشف عن تلك الامكانات والطاقات وضبطها في ممارسة فعالة إلى ان تقوم دولتها الواحدة .

بين المفاهيم الاساسية الخاطئة جذريا التي كان يحدد بها الفكر الوحدوي كيفية الانتقال من التجزئة إلى الوحدة ، نجد المفهوم الذي يقول ان دولة الوحدة نتيجة طبيعية لوجودنا القومي الواحد، وان هذا الوجود يفرضها بسبب هذا الجوهر الواحد الذي يميز هذا الوجود ، وانها بالتالي حتمية تاريخية تتفرع من هذا الجوهر الواحد . في كتاب (حدود الهوية القومية : نقد عام ) دللت على اعتباطية هذا المفهوم لان الهوية القومية لا تعني جوهرا ثابتا تنطلق منه، ويدفع تلقائيا إلى دولة الوحدة بسبب وحدته ذاتها، بل هي هوية تاريخية أي ظاهرة تتحول مع الاوضاع الاجتماعية السياسية التاريخية التي يتفاعل معها عبرالتاريخ مجتمع معين . لهذا عندما تكون هذه الاوضاع مختلفة ومتناقضة في تفاعل اجزاء هذا المجتمع أو اقاليمه مع التاريخ ، فان هذا التفاعل يفرز مع الوقت هويات قومية مختلفة لهذه الاقاليم .

في كتاب (من التجزئة.. إلى الوحدة) دللت أيضا، وذلك بالرجوع إلى تجارب التاريخ الوحدوية، ان نشوء الهوية القومية الحديثة كان نتيجة التفاعل التاريخي المشترك في اطار دولة واحدة، وان القومية لم تكن الطريق إلى الدولة الواحدة ، بل ان هذه الاخيرة هي التي كانت الطريق إلى الاولى. ان أقرب الامثلة الينا هو الهويات القومية التي بدأت بالظهور في امريكا اللاتينية عند نهاية الاستعمار الاسباني ، وفي آسيا وخصوصا افريقيا عند نهاية الاستعمار الغربي الحديث. فهذه الهويات لم تظهر نتيجة وحدات ثقافية، اثنية، لغوية، اقتصادية.. الخ ، بل نتيجة وحدات ادارية وسياسية ذات حدود تاريخية، تحولت إلى دول جديدة عند نهاية الاستعمار .

الآلية النفسية

هناك ثانية ، بالاضافة إلى هذه الآلية التاريخية، ما يمكن تحديده كآلية نفسية تترتب هي ايضا على وجود الدولة القطرية، أي آلية تبلور المشاعر العامة بطريقة لاواعية في هوية هذه الدولة . ما يكون ويحدد الجماعة ليس اتحاد عدد كبير أو صغير من الناس في مؤسسة أو نظام معين، بل في كون هؤلاء ينظرون إلى انفسهم كعاملين من الداخل إلى الخارج- أي انهم يدركون انفسهم كأعضاء جماعة معينة (نحن). ولهذا فان أية جماعة تحقق درجة من الثبات والديمومة تنال هوية خاصة بها نتيجة تفاعلها المستمر في ( نحن ) تقيس بالرجوع اليه والانطلاق منه علاقتها بالخارج .

الدولة القطرية ظهرت في البداية كخطوة نحو دولة الوحدة ، وكانت تعمل بصدق، في بعض امثلتها على الاقل، نحو هذا الهدف ولكن بعد درجة معينة من انغماسها في الممارسات القطرية- أي بالانطلاق من القطركمرجع- والتي تنتج عن وجودها ذاته كدولة قطرية يحدث تغير نوعي فتتحول إلى دولة ذات اتجاه اقليمي يقوم القطر على كل شيء خارجه، ويفرز اطارات نفسية خاصة تعبر عنها.

وجود الدولة القطرية يكون في البداية شرا مؤقتا نتحمله إلى ان نتمكن من التغلب عليه بخطوة وحدوية. ما بعد ذلك تتحول هذه الدولة إلى سلطة تفرض ذاتها علينا من الخارج، بالقوة التي تحتكرها قيادات حاكمة لا تريد التنازل عن سلطتها وامتيازاتها عبر أي خطوة وحدوية ، بعد ذلك تدخل مرحلة تؤدي عاجلا أوآجلا إلى ثبوت هذه الدولة، أي تحولها إلى جزء من المشاعر الداخلية والوجدان العام وذلك نتيجة تحولها إلى واقع سياسي تاريخي رتيب يعانيه الناس بشكل عفوي .

عندئذ تتحول الآلية القطرية إلى آلية اقليمية ذات جذور نفسية عقلية عميقة، أي إلى تجزئة نهائية لأن وجودها القمعي السابق يتحول إلى وجود طبيعي . هذه النتيجة مفروضة علينا تاريخيا بسبب غياب أي سلطة عربية مركزية يمكن ان تقيس أعمال الدولة القطرية وتضبطها في خدمة مشروع دولة الوحدة .

الدول والايديولوجيات والمؤسسات تحقق حياة خاصة بها تمتد فوق الواقع الموضوعي الذي نتجت عنه، وتؤثر فيه بشكل خاص يمتد فيها . فما ان تبرز الدولة الايديولوجية أو المؤسسة، وتؤكد وجودها حتى تبدأ بمتابعة حياة خاصة بها فتحصل على استقلال نسبي كما يتضح من انعكاساتها في هذا الواقع . فهي تستطيع تحديد السلوك الانساني، وتطورها الذاتي الاضافي نفسه عن طريق تمثل الافكار وضبط القوى الاجتماعية والاتجاهات التاريخية وتجاهلها أو تحييدها ، وعن طريق الثبات المحافظ الذي يدفعها إلى مقاومة التحولات التي تحدث في الاساس ، في الواقع الموضوعي الذي تمثله أو تعكسه (1).

ممارسة السلطة في اطارها الاقليمي تعني مع الوقت تبلور القيادات القطرية بشكل خاص في هذه الآلية النفسية القطرية حتى وان كانت بدأت بنفسية ومقاصد وحدوية نقية. ان جدلية هذه الممارسة تذيبها في الآلية القطرية إلى درجة لا تستطيع معها حتى ملاحظة سلوكها الذي اصبح اقليميا. موقف هذه القيادات من السلطة والميول التي تنتج عنها تتبلور بالاوضاع التي تحيط بها، والتي ترتبط اساسيا بالدولة القطرية، فتتفرع منها وترجع اليها. هذا بنطبق طبعا بشكل عام على كل جماعة وكل فرد ، لأن كل جماعة وكل فرد يكون نهائيا نتيجة تفاعل خاص مستمرمع الاوضاع التي تحيط به في وسط اجتماعي تاريخي ايديولوجي خاص ، ولكن الفرق هنا هو ان درجة تمحور القيادة السياسية في هذه الاوضاع تكون أعلى بكثير لانها تكون قاعدتها والمرجع المباشر الذي يضبط كل اعمالها. فالمقررات أو المحددات المحلية هي التي تحدد سلوكها في السياسة الخارجية، في الصراعات السياسية، في المعتقدات الايديولوجية، و حتى في العلاقات الشخصية أو الانسانية.

هذا يعني ان هذه القيادات تعجزعن تغييرسياستها الاقليمية لانها تتحول نفسيا إلى جزء لا يتجزأ منها، لانها تكون قد تعودت واعتمدت عليها. ان ما يمكن تسميته (بالحماقة التاريخية) الاولى التي تميزها آنذاك لا تكون في متابعة سياسة قطرية غيرمثمرة ، بل في عجز عن الاستجابة للقوى والعوامل والتحولات التاريخية والسياسية التي تدعو إلى تجاوز هذه السياسة، عندما تبلغ القيادات- وهنا اتكلم عن القيادات وليس عن كل قائد- هذه الدرجة من الانغماس في جدلية الآلية القطرية، فانها تتمركزآنذاك في المصالح الشخصية وتتمحور عليها ، عندئذ يشل الانشغال بالمصلحة الشخصية كل اهتمام بمصلحة القطر والدولة القطرية نفسها، وليس فقط بالاتجاه الوحدوي ودولة الوحدة (2).

وجود أية حالة من الحالات لمدة طويلة من الوقت يخلق في ذاته نفسية عامة توحي بالتسليم أو الافتراض بأنها شرعية وحقيقية. ولهذا فان قيام طريق مسدود مستمر إلى دولة الوحدة قد ينتج ليس فقط ضعفا تدريجيا، بل ازالة نهائية للاستعدادات الوحدوية. استمرار الدولة القطرية يدفع في وجوده نفسه إلى تحويل تدريجي للايمان الوحدوي من ايمان حي إلى قشرة خارجية. من يبدأ بالتطلع إلى اهداف عالية، بتركيزمشاعره على قصد معين ثم يرى أن القصد ينهار أو ( لا) يتحقق يتحول عادة أو في كثير من الاحوال عن هذا القصد، فيخسر المشاعر السابقة التي كانت تقف وراءه ، فيتجاهله ويبتعد عنه. كثيرون ينتقلون آنذاك إلى قصد آخر مضاد وبالتالي يصبحون أعداء (3).

الناس يميلون، كما يبدو، إلى التماهي مع وسطهم وكأن العقل المجرد يريد تركيز ذاته في الواقع وذلك لأن الأشياء التي تحيط به تكون مألوفة منه. هذه الاشياء، وبصرف النظرعن قيمتها، تساعد على بناء هوية الفرد وتجعله قادرا على أن يشعر بالثقة التي تترتب على وجود مستقرثابت .

الناس كانوا يشعرون دائما بحالة اغتراب عندما تكون هويتهم في خطر، فيعالجون ذلك بالتمسك بالقصد الذي تعودوا عليه، بالحالة القائمة التي تحدد سلوكهم وتضبط اعمالهم . قد يكون هناك طريق أحسن في تحقيق نفس القصد أو تحقيق مقاصد أخرى أحسن، ولكن هناك في وضعنا الانساني التاريخي، بالاضافة إلى الميل إلى التمرد والنقد ، ميل آخر ينفر من التغيير وخصوصا عندما يكون التغيير جذربا، ميل يتفرع من الريبة في المجهول، ويتجه إلى الاعتماد على التجربة أو المألوف بدلا من التفكير النظري ، ويكشف عن استعداد للتكيف مع الوسط لأن هذا المألوف يكون في طبيعته ذاتها كشيء مألوف أكثر قبولا من اشياء غير مألوفة. هذا الايمان بالمألوف أو التفضيل النسبي له قديم قدم الانسان . الامثال الشعبية التي نجدها في شتى الثقافات حول الموضوع كـ (عصفور في اليد خيرمن عشرة على الشجرة) تدل على حيطة تنتج عن تجربة طويلة.

الآلية الايديولوجية

هناك، ثالثا، ما يمكن تسميته بالآلية الايديولوجية التي تكرس الدولة القطرية وتفصل تاريخها كتاريخ اقليمي . الدولة تواجه، كنظام سياسي ، مشكلة الشرعية، أي انها تريد من مواطنيها الالتزام بسلطتها ليس كنتيجة لروتين جامد لا واع ، أوكنتيجة عملية حسابية حول المصلحة الشخصية، بل نتيجة قناعة بأن الطاعة حق، لهذا فان كل سلطة سياسية لابد أن تعتمد مجموعة من المفاهيم المشتركة تضفي على اوامرها صفة الواجب الاخلاقي، أو بكلمة أخرى ، ايديولوجية (أو موقفا أو تصورا ايديولوجيا) تحدد موقفها وموقعها بالنسبة للمجتمع، للتاريخ، وللمستقبل.. الخ. فالسلطة تنتج ايديولوجية أو مفهوما ايديولوجيا يبرر السلطة كشيء طبيعي وضروري ويجعل مقاومتها جريمة يعاقب عليها القانون .

لهذا فان الدولة القطرية تحتاج، ككل دولة أخرى ، إلى ايديولوجية، وذلك لانها مضطرة إلى الاعلان عن سياستها كسياسة عقلانية تجد أساسها في معرفة صحيحة وعينية بمصالح المجتمع الاساسية وبحركة هذا المجتمع والتاريخ نفسه .

الدولة القطرية تفرز اذن في وجودها ذاته، في جدلية هذا الوجود المستقلة، نماذج ايديولوجية خاصة، وذلك لان كل نظام سياسي يحتاج إلى شرعية ما، والشرعية تحتاج إلى ايديولوجية أو تصور ايديولوجي ما، وهذا ما يعزل الدولة القطرية، ويخلق تناقضات وصراعات بين نماذجها المختلفة، ويكرس تاريخها الخاص على حساب التاريخ القومي .

الآلية السياسية

هناك، رابعا، ما يمكن تحديده بالآلية السياسية التي تترتب على وجود الدولة القطرية كدولة وليس فقط كدولة قطرية، فالعالم يتشكل من دول ذات سيادة تميزكل منها بحدة بين مواطنيها وبين جميع الكائنات والمجتمعات الانسانية الأخرى ، وتربط هؤلاء بها وحدها وبشكل استثنائي . دور الدولة هو اعطاء وحدة لنظام العلاقات الاجتماعية ككل ، وتنظيم هذه الوحدة على أساس جديد ، أو خلقها عندما تكون مفقودة. ان قدر المجتمع التاريخي يتشكل كله كدولة ، و بالتالي فان مصالح هذا المجتمع تتأثر مباشرة بمطالب الدولة، بحظوظها ومصيرها التاريخي، لهذا أشار كثير من المفكرين والفلاسفة السياسيين ان الدولة تملك في طبيعتها ذاتها غائية تضبطها، وان هذه الغائية تقع تماما داخلها، وتتشكل كليا من ميل مستمرإلى توسيع سلطتها، آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك فأشاروا إلى أن بنية العالم السياسية التعددية (أي كونه يتشكل من وحدات أو دول سياسية كثيرة) تجعل من الضروري أن لا تسمح أية وحدة جماعية بأي تعدد سياسي داخلي بأي بعثرة لمركز القرار السياسي . ففي داخل كل وحدة جماعية يحق لمركز واحد فقط أن يصنع هذا القرار السياسي، وهوحق يجب المحافظة عليه بحرص كبير. انه قراريجب أن يمارس نهائيا من قبل فرد واحد، لأن عقل الفرد فقط يستطيع أن يزن بفاعلية الاحتمالات الخطيرة التي تتعلق بتقرير المسألة الاهم وهي: من هم أصدقاء هذه الوحدة الاجتماعية ومن هم أعداؤها؟

كل دولة تشكل، في داخل النظام الدولي، وحدة تعمل بشكل استثنائي على خدمة مصالحها الخاصة، ولكن التحديد الذي تعطيه كل دولة لهذه المصالح يعدل في ضوء التغييرات الخارجية والداخلية التي تواجهها على الصعيد العسكري والديمغرافي والاقتصادي والسياسي . وهذا يعني أن توازن هذا النظام الدولي يكون متغلغلا وفي حاجة مستمرة إلى التكيف ، وهو أمرلا يمكن أن يحدث نتيجة عمل قيم عامة إلزامية على صعيد دولي ، لأن قيما من هذا النوع غير موجودة بين الدول، لهذا فان الدولة كانت ولاتزال، كواقعة سياسية، تثير في المشاركين فيها اصداء شعورية، والتزامات عميقة تتنكر في كثير من الاحيان للفكر النفعي أو الذرائعي وتدعو إلى تجاوز الذات والاستسلام لهوية فوق الفرد ، روحية ، رفيعة، سامية.

هذا الواقع كان يدفع كثيرين ، حتى من بين المفكرين والفلاسفة السياسيين المعتدلين في مفاهيمهم حول الدولة، إلى التنبيه بان الفرد يجد نفسه منشغلا بالدولة بمستويات مهمة جدا في كيانه كله، لأن الدولة تتسرب عميقا إلى وجود الانسان وتشكل كينونته ذاتها . آخرون ذهبوا إلى أبعد من هذا فرأوا أن الوحدات السياسية الكبيرة ومنها طبعا الدولة الحديثة تتميز (بقدرة) خاصة تشاركها فيها الاديان فقط ، وهي اعطاء معنى للموت نفسه.

فالدولة تعني آليا منافسة ونزاعا، أو حتى اصطداما مسلحا ممكنا أو خطر الاصطدام مع دول اخرى، وهذا يربط مواطنيها معا وبشدة بها في قضية حياة أو موت مشتركة ضد مواطني دولة أو دول أخرى.

الدولة تعين حدود المصالح التي يشارك فيها مواطنوها وتضع أو تمثل الحدود التي تفصل بينهم وبين غيرهم من الناس، وهذا الدور الذي يتخم المجتمع يعني ادارة واحدة وقانونا واحدا يتميزان بارادة عامة توحد معا الذين يعيشون في ظلهما وتفصلهم عن الذين يخضعون لادارات وانظمة قانونية أخرى، هذا يعني نظاما واحدا يتجه بشكل منفصل ومختلف داخل كل دولة، وبالتالي شعورا بالتماثل في الداخل، والتمايز في الخارج .

من ناحية أخرى ، ان التعقيد المتزايد للمجتمع، واتساع دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، اللذين يرافقان حركة التحديث والتصنيع، كانا يقودان إلى تعقيد واتساع متزايدين في وظيفة الدولة. هذا يعني انشغال الدولة بدرجة اعلى ومتزايدة بالقضايا الداخلية والمحلية. ولهذا نجد أن جميع الدول الحديثة كانت تواجه ضغوطا مستمرة ومتزايدة من جانب عدد متزايد من الجماعات التي تجد أن الحكومة مسؤولة عن تحقيق أو حماية حاجاتنا.

هذه الملاحظات حول طبيعة الدولة، والدولة الحديثة بشكل خاص تدل، دون أي تعليق، على أن وجود الدولة القطرية يعني في ذاته آلية قطرية تتفرع منه وتترتب عليه بصرف النظرعن المقاصد العليا التي ترافقها، والتي قد تكون وحدوية .

الآلية الاقتصادية

هنا، خامسا، الآلية الاقتصادية التي تتفرع ايضا من وجود الدولة القطرية وتسهم من ناحيتها الخاصة في تكوين الآلية القطرية العامة التي تعزز هذا الوجود وتكرس التاريخ القطري على حساب التاريخ القومي . وبما انني عالجت هذا الموضوع بشكل جامع في القسم الاول من كتاب (النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية)، وبما مجال هذا البحث لم يعد يتسع للوقوف امام هذه الآلية، فان القارىء الذي يريد متابعة الموضوع يستطيع الرجوع الى هذا الكتاب. هنا أكتفى فقط بالاشارة إلى بعض النتائج العامة التي خلصنا اليها في هذا الموضوع ، وهي، أولا، ان القوى والروابط الاقتصادية لا تقود في ذاتها إلى أي توحيد سياسي، ثانيا، ان تجارب التاريخ الاقتصادية التي اريد منها تحقيق اتحاد سياسي ما، كانت فاشلة في ذلك، ثالثا، ان المفهوم الوحدوي الاقتصادي الذي يقول بالطريق الاقتصادية إلى دولة الوحدة عن طريق مشاريع وروابط اقتصادية مختلفة تمتد عبر الوطن العربى هو مفهوم خاطيء تماما. انه ليس فقط عاجزا عن تحقيق هذا، بل ان الاعتماد عليه يقود، على العكس، إلى تكريس متزايد للتجزئة والاقليمية، وذلك لأن هذه الروابط والمشاريع لا تعمل في اطار دولة الوحدة أو تنطلق من وجود اقليم- قاعدة تتجه اليه وترتبط به وتعمل على مساندة العمل الوحدوي الذي يتمحور عليه.

الآلية الجغرافية

سادسا، وأخيرا، اريد الاشارة العاجلة إلى آلية قطرية أخرى هي آلية الارض التي تتفرع أيضا من وجود الدولة القطرية، وتسهم في تكوين الآلية القطرية العامة كعنصرمن العناصر المكونة لها، هذه الدولة تعني، فيما تعنيه، أرضاً معينة، ذات حدود معينة، تمارس فيها وجودها، وهذا يعني، بدوره، وحدة أرض يتفاعل معها المواطنون في اطار هذه الدولة.

الباحثون قد يختلفون حول العوامل الاساسية التي تشكل القومية أو الأمة، ولكنهم لا يختلفون في أن ذلك يحتاج إلى الارض ووحدة الارض، خصوصا في القرن العشرين حيث لا يمكن لشعب بلا أرض أن يحافظ على هويته أو يصبح أمة. فالغجر مثلا يواجهون صعوبة متزايدة في الحفاظ على نمط حياتهم وهويتهم لانهم يجدون انفسهم مضطرين إلى التكيف مع نمط حياة الاكثرية التي يعيشون معها، لهذا نرى أن التجاور الجغرافي كان يمثل أحد القوانين العامة المهمة التي كانت ترافق تجارب التاريخ الوحدوية الناجحة، وان الشعب الواحد يتحول إلى شعوب وأمم مختلفة عندما تنتقل اقسام منه إلى أرض أخرى تعيش فيها . ان أقرب الأمثلة لنا تتمثل في الانجليز الذين استوطنوا اوستراليا ونيوزيلندا وامريكا وكندا.

الارض التي يعيش عليها شعب ما تتميز بمعنى رمزي عميق وبنوع من القداسة. فهي أولا المكان الذي يمارس فيه الشعب حقوقه ويشعرأنه في بيته، وهي مسرح الاحداث والمنجزات والاعمال الماضية والموقع الذي ينطلق منه الشعب في طموحاته ومقاصده المستقبلية ويربط به هذه الطموحات والمقاصد . الارض هي شيء يهيمن الشعب عليه وترتبط به هويته نفسها، لهذا ليس من الغريب أن تكون وحدة الارض شرطا لنشوء هذه الهوية.

الارض التي تقوم فيها الدولة القطرية كانت ولاتزال ارضا عربية ، ولكن التفاعل معها في اطار هذه الدولة يحولها إلى ارض اقليمية، فتصبح ارضا مصرية، سورية، عراقية، سودانية، كويتية، تونسية.. الخ . وهذا ما بدأ يظهر ويؤكد ذاته بوضوح .

ما تقدم يدل بوضوح على أن وجود الدولة القطرية يفرز في ذاته، وبصرف النظر عن النيات والمقاصد التي رافقت قيامها أو لاتزال ترافقها، آلية قطرية متعددة الجوانب تكرس نهائيا هذا الوجود وتاريخه القطري المنفصل ، عندئذ تتحول هذه الآلية إلى آلية اقليمية تضع نهاية لأي عمل وحدوي، ولفكرة دولة الوحدة ذاتها . ما يميزالاولى عن الثانية هنا هو أن الاولى تعمل دون وعي منا، تمارس جدليتها القطرية رغم ارادتنا ، رغم مقاصدنا الوحدوية، ورغم اعمالنا وطموحاتنا التي تريد تجاوز التجزئة في دولة الوحدة ، ولكن في الثانية- أي الالية الاقليمية- تتحول هذه الآلية القطرية التي تفرض ذاتها من الخارج إلى آلية تبرز من الداخل، أي من اطارات نفسية وعقلية وفكرية تنطلق من الدولة القطرية، ترجع اليها، تتمحور عليها تريدها وترغب بها، أو على الأقل ترى أنه ليس من الممكن تجاوزها ، وأن دولة الوحدة وهم من الاحسن تجنبه. سيادة آلية اقليمية كهذه تعني نهاية آمالنا المستقبلية وطموحاتنا التحررية، وتحويـلنا إلى شعب متسول يحيا على هامش التاريخ، ويعيش في الذل، وينشأ في المهانة.

ما العمل اذن؟ المخرج الوحيد من هذه الكارثة التاريخية النهائية التي تهددنا وتتربص بنا هو، كما أشرت سابقا، ظهور وضعية وحدوبة موضوعية تستطيع وحدها أن تؤمن لنا الشروط الموضوعية للانتقال إلى دولة الوحدة أو تحقيق قفزة وحدوية كبيرة نحوها . إن توفرما أسميته بالاقليم- القاعدة، كما أشرت سابقا، يخلق مرة أخرى هذه الوضعية. لهذا فان توفر هذا الاقليم هو المخرج الوحيد الذي يمكن به على الاقل القيام بمحاولة جدية ممكنة النجاح في تجاوز الدولة القطرية وخلق آلية وحدوية تحل محل آليتها القطرية التي تهدد بأن تتحول إلى آلية اقليمية.

جميع جوانب هذه الآلية القطرية العامة التي وقفت عندها وحللت جدليتها الموضوعية في هذا البحث تدل على ان الحل الوحيد لها والطريق الوحيدة التي يمكن بها تطويعها وتجاوزها والتغلب عليها، هو قيام سلطة مركزية في قطر ما من هذا الوطن المجزأ تستقطب الجماهير والمثقفين والمشاعر الوحدوية عبر هذا الوطن ، فتتجه اليها وترتبط بها ، و نتمحور عليها في نضالنا، النضال الوحدوي، نضال الحياة أو الموت لنا. والمجال لا يتسع طبعا للوقوف عند كل جانب من جوانب هذه الآلية التي حلتها في هذا البحث ، وايضاح ضرورة هذه السلطة كحل لها، و لكن من الممكن القول أن لا حاجة إلى ذلك، لان العرض التحليلي السابق لها يدل في ذاته تقريبا ودون أي تعليق على هذه الضرورة.

إن كل دعوة وحدوية (كل دعوة ثورية) دون طريق موضوعية تفضي إلى دولة الوحدة وهي طريق يمكن تحديدها والتدليل علميا على صحتها وشرعيتها في ضوء الظاهرة الوحدوية عبر التاريخ- تكون دعوة طوباوية تهدد بالتحول إلى حركة رجعية، دعوة وحدوية مجردة كهذه تنتهي إلى الاقليمية، فتكون بالتالي رجعية. هذه الوحدوية المجردة ، فيما يتعلق بالطريق إلى دولة الوحدة، كانت هي المنهج السائد في العمل الوحدوي . فبدون المنهج العلمي، والمنهج العلمي الجدلي، يصبح هذا العمل عملا اعتباطيا. ولهذا فان القطيعة مع اشكال الفكر الوحدوي السابقة حول االطريق إلى دولة الوحدة تشكل الشرط الاول في اعداد العمل الوحدوي للتغلب على هذا الظلام الدامس الذي أشرنا اليه، وممارسة ذاته كفاعلية تاريخية، غياب هذا الوعي الوحدوي العلمي كان يعني وعيا مزورا يغذي، بصرف النظر عن نياته ومقاصده ، الآلية القطرية التى وقفنا عند جوانبها الاساسية، ويتحول إلى اقليمية جديدة، أي اقليمية تخرج من العمل الوحدوي نفسه ودون وعي او تخطيط لذلك.

ابتداء من هيجل الذي تكلم في مجرى حديثه عن الثورة المضادة التي تخرج من قلب الثورة ، كان كثيرمن المفكرين يتكلمون عن خطر هذه الثورة المضادة التي تهدد مجرى كل ثورة وخصوصا عندما لا تحقق مقاصدها الاولى . هذا ما نواجهه الآن في الدولة القطرية التي تعني في الواقع الثورة المضادة في قلب الثورة أو العمل الوحدوي . هذه المجابهة مع هذه الدولة تتطلب بداية جديدة.

هذا يعني، فما يعنيه، اننا يجب أن لا نقف في نضالنا عند معارضة بعض القادة ، كإزالة حكومة، أو التحرر من حركة أو حزب ، او سياسة أو قيادة معينة ، بل يجب أن ندرك تماما أن الانحراف الاساسي الذي تتفرع منه نهائيا هذه الانحرافات في القيادة أو السلطة أو السياسة هو الانحراف المتأصل في الدولة القطرية كدولة قطرية، وان هذه الانحرافات ستزداد مع استمرار هذه الدولة. لهذا فان تصحيح هذه الانحرافات والتغلب عليها يعني اساسيا التحرر من هذه الآلية ، وهو شيء غير ممكن بدون توفر الاقليم- القاعدة أي الاقليم الذي يوفر بوجوده ذاته دولة أخرى يتم الارتباط بها، وبالارتباط بها يمكن تجاوز هذه الآلية واستبدالها بآلية أخرى هي الآلية الوحدوية. واذا كان كل جانب من جوانب الآلية القطرية التي وقفنا عندها يدل بوضوح أن النقيض الذي يمكن به تطويعه والتغلب عليه هو توفر سلطة مركزية يتجه العمل الوحدوي اليها ويتمحور عليها، يصبح اذن وجود هذه السلطة التي تتمثل باقليم- قاعدة الضرورة الاولى التي لا يمكن بدونها تغلب هذا العمل على هذه الآلية القطرية التي تخنق انفاسه.

هنا يمكن أن نشير، كمثل تاريخي على هذا، إلى تجربة العمال السياسبة. فهؤلاء بدأوا نضالهم في البداية ضد الآلات التي تستخدم في الانتاج البورجوازي ثم ضد افراد بورجوازيين ضد هذا المصنع أو ذاك.. الخ، ولكنهم ادركوا فيما بعد أن النضال الحقيقي المحرر الذي يمكن أن يعالج اساسيا المشاكل التي تواجههم يجب أن يتجه ضد اوضاع الانتاج البورجوازية نفسها، ضد الطبقة الرأسمالية كطبقة.

النضال العربى يكشف هو الآخر، أو يجب أن يكشف ما نشكو منه من مآسي وما ينزل بنا من مصاعب- يعود نهائيا إلى أوضاع هذا النضال القطرية، إلى الآلية القطرية التي تترتب على وجود الدولة القطرية، وانه كي يكون فعالا وناجحا يجب ان لا يتجه فقط إلى هذه السياسة أو تلك، هذه القيادة أو تلك، هذه المؤسسة أو تلك .. الخ بل إلى الآلية القطرية نفسها ، ولكن التغلب على هذه الآلية يفترض ظهورآلية وحدوية تسحقها، وهي آلية الاقليم- القاعدة الذي يتم التفاعل معه عربيا عبر الحدود، وعن طريق التفاعل معه خلق الآلية الوحدوية التي نندفع بها إلى دولة الوحدة. انتصار الآلية الاخيرة على الآلية الاولى لا يحتاج فقط إلى ادراك ضرورة هذا الانتصار، الى رغبة صرفة فيه، بل يحتاج ايضا وبشكل خاص إلى ظهور وضعية وحدوية موضوعية تسمح بذلك، والى وعي ضرورة هذه الوضعية.

المفاهيم التي سادت حول طريق الانتقال من التجزئة إلى الوحدة كانت تنظرإلى هذه الطريق بشكل مجرد ، لا تاريخي ، وكأنه من الممكن تفكيك بنية التجزئة واعادة تركيبها كما يفكك ويعاود تركيب الآلة. والآن نجد أن الخلل يعيد ذاته في المفاهيم التي تجابه الدولة القطرية في مجرى هذا الجزر الوحدوي وما يقترن به من ظلام دامس يطغى علينا . فهى تبدو وكأنها تقول ان كل ما نحتاج اليه هو الارادة المصممة والحازمة كي نحقق تفكيك اجهزة هذه الدولة القطرية واعادة بنائها من جديد في دولة واحدة . التمرد على الدولة القطرية ليس كافيا في ذاته، بل يجب أن يقترن بادراك علمي للآلية التي تكرسها وتغذيها، الآلية التى تعود اساسيا إلى غياب الوضعية الوحدوية الموضوعية التي اشرنا اليها، والتي يمكن لها وحدها افرازآلية اخرى هي الآلية الوحدوية التي تستطيع تحريرنا منها وقيادتنا إلى دولة الوحدة ، الوقوف عند التمرد فقط قد يضر بالنضال العربي في المدى البعيد أكثر مما يفيد، والواقع أن التمرد الفعال يعني تثقيفا بتلك الوضعية، بالاستراتيجية الوحدوية التي تفرضها وتترتب عليها، وبالآلية الوحدوية التي تتفرع منها.

كتب شوبنهاور يقول : " بين كل عشرة أشياء تزعجنا هناك تسعة تكون عاجزة عن صنع هذا ان نحن ادركناها تماما في اسبابها، وبالتالي عرفنا ضرورتها". استمرار التجزئة السياسية الأليمة التي نقاسيها اخذ يولد موجة يأس كبيرة ، ويوحي حتى بخلل ذاتي في الذات العربية نفسها، لأننا لا ندرك ، في ضوء وعي علمي صحيح ، طبيعتها وطريقنا الى الخروج منها. عندما يتوفر لنا هذا الادراك نستطيع تجميد أكثر الآثار السلبية التي تترتب عليها ، وخصوصاً الآثار النفسية الخطيرة التي تهدد بالغاء النضال الوحدوي واخراجنا مع الوقت من الهوية القومية العربية نفسها.

وكما كتب فرانسيس باكون التعبير عن العقل العلمي الحديث في مطلع هذا العصر فإنه " عندما يعمل عقل الانسان فانما يعمل وفق طبيعة الاشياء ويكون بالتالي محدودا بها، ولكنه عندما يعمل على ذاته، كما بعمل العنكبوت على نسيجه فانه يكون بدون نهاية، فهو قد ينتج انسجة تثير الاعجاب بدقة الخيوط والعمل ولكن بدون مكسب ". ولقد كان الفكر الوحدوي في تصوره لطريق الانتقال إلى دولة الوحدة وكيفية التغلب على الدولة القطرية ، يفرز انسجة كأنسجة العنكبوت، قد تكون دقيقة البنية، ولكنها كانت بدون فاعلية تاريخية في تحقيق مقاصدها ، وذلك لان هذا الفكر لم ينطلق من وعي علمي بالظاهرة الوحدوية وقوانينها القطرية وجدليتها. إن المشروع الوحدوي الذي نريده ونحتاج اليه في بناء المستقبل العربى هو مشروع يدرك ذاته في ضوء هذه القوانين وهذه الجدلية، ويعي تماما ان عمله بدون هذا الادراك العلمي ينتهي ( بالتواطؤ ) مع الدولة القطرية وتعزيز استمرارها.

الدولة القطرية تفرز بوجودها ذاته الية قطربة ذات حياة خاصة بها، ومن الضروري ادراك طبيعة وجدلية هذه الآلية ان نحن اردنا تطويعها وبالتالي السيطرة عليها. هذا الادراك ضروري جدا في الاعداد لظهور وضعية وحدوية وموضوعية جديدة تفرز الآلية المضادة ، أى الالية الوحدوية ، وهذه الالية ضرورة اساسية في الانتقال مما نحن عليه، أي التذيل بالتاريخ ، إلى ما يجب أن تكون عليه وهو صنع التاريخ . إن الدولة القطرية تماثل قاطرة لا تعرف أين هي ذاهبة، وعندما تسال عن وجهتها تجيب فقط بالصفير واطلاق البخار. هذا الصفير الأهوج سيستمر في حالة الضياع التي نعيشها، في الظلام الدامس الذي يحيط بنا، إلى ان تبرز الآلية الوحدوبة المضادة التي نستطيع بها تجاوزه والتغلب عليه.

***
الهوامش :

(1) هنا أؤكد فقط على الجانب السلبي ، أي الآلية القطرية التي تنتج عن الدولة القطرية . ولكن هذه الآلية ليست مطلقة لأن هناك أيضا آلية أخرى تنتج عن وجودها ذاته وكنقيض له لا يتسع هنا طبعا المجال لمتابعة جدليتها . فمن الممكن القول ، مثلا ان هذه الممارسات القطرية التي تفرز هذه الآلية النفسية يمكن أن تعمل في المدى البعيد في وجهة معاكسة . فبعد درجة معينة من هذه الممارسات يتضح انها تزيد من المشاكل والصعوبات التي يواجهها القطر ، وتكشف باطراد عن عجز الدولة القطرية عن مواجهة التحديات والضغوط الخارجية والداخلية ، وهذا يدفع في ذاته الى التوجه الى دولة الوحدة كمخرج وحل .

(2) هنا يمكن القول أيضا من زاوية جدلية وحدوية ان هذا الانشغال بالدولة القطرية يخلق النقيض الذي يهدد بتدميرها كقيادة قطرية .
(3) هذا الانهيار قد يعود إلى طوباوبة القصد ، أي قصد يكون دون جذور في الواقع الموضوعي، دون علاقة حية بالتاريخ كما يضع نفسه. ولكنه يمكن أن يعود ايضا إلى استراتيجية خاطئة في العمل في سبيله رغم أن مقومات الواقع وحركة التاريخ قد تكون من النوع الذي يدفع نحوه . هذا ما حدث لقصدنا الوحدوي حتى الآن . فعجزنا عن تحقيقه، أو تحقيق قفزة كبيرة نحوه يعود إلى استراتيجية خاطئة، وهي ستظل خاطئة إلى ان تتحرر من الوعي التبشيري أو في احسن الحالات الوعي الميتافيزيقي الذي كان يرافقها حتى الآن ، وترجع بدلا من ذلك إلى وعي وحدوى علمي يحددها وبضبطها ويكونها، أى إلى وعي يرجع إلى الظاهرة الوحدوية عبر التاريخ ويكشف عن القوانين أو الانتظامية العامة التي تعيد ذاتها فيها، وينطلق منها في تكوين عمله الوحدوي ، هذا الخطأ وليس العجز في ذاته هو الذي يهدد بتحويل الدولة القطرية إلى حالة عادية، أي إلى حالة لا تلبث ان تصبح حالة طبيعية.


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول نديم البيطار
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن نديم البيطار:
عبد الناصر والوحدة العربية - نديم البيطار


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

Re: دور الدولة القطرية في ترسيخ التاريخ القطري - د. نديم البيطار (التقييم: 1)
بواسطة mavo1 في 27-5-1433 هـ
(معلومات المستخدم | أرسل رسالة)
<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7337.html" title="اسعارالذهب<اسعارالدهب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7826.html" title=">تحميل فيلم بنات العم">تنزيل فيلم بنات العم<فيلم بنات العم</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_7826.html" title=حظك اليوم">حظك اليوم</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_14.html" title="شات للبنات فقط<شات مصري">شات مصريه<شات حب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel-4.html" title="قناه الرحمه<قناه نسائم الرحمه">قناه الرحمه اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/mbc3-chmel3.html" title="قناه ام بي سى 3">قناه سبايس تون<قناهMBC3</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel-2-3.html" title="قناه مودريم اسبورت اون لاين">قناه الاهلي اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسايل حب">رسايل حب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل رومانسية">رسائل رومانسية</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل عتاب">رسائل عتاب</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/100.html" title="رسائل حب  2012"">رسائل حب  2012</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_08.html" title="نتيجه الشهاده الابتدائيه ">نتيجه الشهاده الابتدائيه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_08.html" title="نتيجه الشهاده الاعداديه">نتيجه الشهاده الاعدادايه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/2012-zoma2012.html" title="تحميل لعبه زوما">تحميل لعبه زوما</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_1418.html" title="لعبه سوبر ماريو القديه">تحميل لعبه سوبر ماريو القديمه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/zp.html" title="شحنzp">شحن زد بي</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/photo-shop-online.html" title="فوتو شوب اون لاين">فوتو شوب اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_8360.html" title="شفرات لعبه المزرعه السعيده ">جميع شفرات لعبه المزرعه السعيده</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_1631.html" title="برنامج تعريب قوالب بلوجر">برنامج تعريب قوالب بلوجر</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/03/blog-post_258.html" title="لعبه الطيارات القديمه">لعبه الطيارات القديمه</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/chnel.html" title="قناه الجزيره الرياضيه">قناه الجزيره الرياضيه اون لاين</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/search/label/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%86%20%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B4?&max-results=9" title="العاب فلاش اون لاين">العاب فلاش</a>•<a href="http://5areba.blogspot.com/2012/04/blog-post_18.html" title="شات مصر">شات مصر</a>">


[ الرد على هذا التعليق ]







إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية