Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: ناصر السامعي nasser
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 236

المتصفحون الآن:
الزوار: 35
الأعضاء: 0
المجموع: 35

Who is Online
يوجد حاليا, 35 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

بيانات
[ بيانات ]

·بيان للسعودية ومصر والإمارت والبحرين عن دعم قطر للإرهاب
·حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية بيان أعمال اللجنة المركزية
·الحزب العربي الديمقراطي الناصري - الأمانة العامة
·بيان الحزب الناصرى حول الازمة السورية.
·الحزب الناصري ينسحب من اجتماع القوى السياسية باليمن
·التنظيم الناصري يدعو الى وقف الاقتتال بشكل فوري ووقف كافة اشكال انتهاك السيادة ا
·الوثيقة السياسية لحزب الحركة الشعبية العربية ''تمرد''
· مثقفون وسياسيون: الوحدة الوطنية خط أحمر
·مذكرة تطالب بإحالة ''الديب'' لـ''تأديب المحامين'' لتطاوله على ''25 يناير''

تم استعراض
50331539
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
عبد الناصر والوحدة العربية - نديم البيطار
Posted on 8-9-1428 هـ
Topic: جمال عبد الناصر


ليس هناك من مسألة تعبر بوضوح عن طبيعة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الثوري) الشعائرية والأخلاقية أكثر من موقف هذا الفكر من القيادة الناصرية في الخمسينات والستينات. فالذين كانوا يقامون هذه القيادة، والذين كانوا يدعون إلى الارتباط بها، وأن كان

موقفهم صحيحاً من حيث المبدأ، وإيجابياًًًً من حيث النتائج المباشرة – كانوا ينطلقون من موقف مماثل لا يتميز، من ناحية وحدوية، ليس فقط بأي أساس علمي صحيح بل بأي وعي لضرورة هذا الأساس، أو حتى لوجوده.

هذا الفكر كان، ولا يزال، بعيداً غريباً عن الفرضية العلمية البسيطة البديهية وهي أنه، عند معالجة ظاهرة ما، يجب عليه دراسة هذه الظاهرة قبل إن يعطي أحكاماً معينة حولها. الفكر الوحدوي فكر يفترض به طبعاً الانشغال بالظاهرة الوحدوية وتحديد طبيعتها، أي كيفية الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة. وبما إن هذه الظاهرة ليست جديدة، وبما إن المجتمع العربي ليس المجتمع الأول الذي أراد تجاوز تجزئة معينة في دولة واحدة، وبما إن التاريخ مليء بهذا النوع من الظواهر الوحدوية، كان يفترض بالفكر الوحدوي العربي إن يدرس هذه الظاهرة قبل إعطاء أحكامه حولها. ولكنه بدلاً من ذلك راح يحدد تبشيرياً وشعائرياً الطريق إلى الوحدة فيعطي ويرتجل الحلول دون أي وعي لضرورة الرجوع إلى والانطلاق من الظاهرة الوحدوية، ودراستها قبل القيام بأي تحديد لطريق الانتقال من التجزئة إلى الوحدة. ليس هناك حتى الآن –ماعدا القليل الذي نشرته- من أثر لهذا النمط من التفكير، بل لهذا البَده العلمي، فيما صدر حتى الآن عن الفكر الوحدوي العربي .

غريب، عجيب أمر هذا الفكر الوحدوي الذي يقدم ذاته باستمرار كفكر علمي، ويجتر دائماً وأبداً فكرة "علمية"، "منهج علمي". ولكن دون أي وعي لهذا البَده العلمي البسيط وهو ضرورة دراسة الظاهرة التي تشكل موضوعه قبل إعطاء الأحكام حولها!... أنه فكر بلغ، دون شك، مرتبة في أعلى مراتب الفكر التبشيري. هذه هي المشكلة أو بالأحرى مأساة الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الفكر الثوري ككل). فهو فكر كان حتى الآن عاجزاً عن ؟إدراك، أو استيعاب ومعاناة المنطلق الأساسي للمنهج العلمي الحديث وهو إن الظواهر الاجتماعية والتاريخية تتميز بموضوعية مستقلة عن إرادة ووعي مشاعر الأفراد وأن هناك قوانين أو اتجاهات انتظامية (   uni formities,patterrs ) تسودها.

موقف الذين دعوا إلى الارتباط بقيادة عبد الناصر والذين قاوموا هذه القيادة لم يكن، بكلمة أخرى، ناتجاً عن أية نظرية علمية حول طبيعة القيادة السياسية في تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. المشادة بين الطرفين كانت تدور، بشكل، ميتاقيزيقي وأخلاقي حول " ما يجب إن يكون" و" ما هو الأصلح" دون ربط ذلك بما " يمكن إن يكون" . أو بنوع القيادة التي يمكن للأوضاع الثورية والعمليات

 (processes) الوحدوية إن تفرزها، إن تسمح بها أو تنفتح لها، أي دون أية نظرية حول القيادة التي ترافق تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. لو درس هؤلاء هذه التجارب وجدوا بوضوح أنها تفرض "قيادة مشخصنة" تتميز بالسمات العامة التالية وهي:

1-وجود قائد يجسد الحركة الوحدوية والثورية ويرمز إليها.

2-ولاء قوي لشخص القائد.

3-اقتران الولاء للقائد بالولاء للحركة الوحدوية، الثورية، والانطلاق من الأول في التعبير عن الثاني.

4- إعطاء القائد صفات فريدة، غير عادية، ترتبط درجة التضخيم لها بحدة التناقضات التي تنطوي عليها الأوضاع التي تحيط بها.

5- درجة بارزة من تركيز السلطة في يد القائد ترتبط درجة اتساعها ووحدتها بنوع المخاطر والأزمات التي تحيط بها، جذرية التحولات التي تدعو إليها، وحدة التناقضات المدعوة إلى معالجتها.

إننا نفهم من عبارة " القيادة المشخصنة" أنها قيادة تتميز بهذه الصفات وهي ظاهرة تعيد ذاتها في جميع تجارب التاريخ الوحدوية والثورية. تكررها بهذا الشكل يعني أنها لا ترتبط بإرادة القائد أو الأتباع الواعية، أو بشكل مباشر بهذه الإرادة، بل بطبيعة الأوضاع  التي تحيط بها، وأن ديالكتيك هذه الأوضاع هو الذي يفرضها. هذا يعني بكلمة أخرى إن ظاهرة القيادة المشخصنة تشكل قانوناً عاماً يسود التجارب الوحدوية والثورية، وأن العمل الوحدوي يجب إن يعمل معه وفي ضوئه إن هو أراد إن يمارس أية فاعلية صحيحة، وأن الوعي له والعمل في ضوئه هما الطريقة الوحيدة في الحد من النواحي السلبية التي قد ينطوي عليها. إن الحرية هي "وعي للضرورة".

وجود القيادة المشخصنة في الشكل الذي أشرنا إليه، والذي تقترن فيه بتجارب التاريخ الوحدوية والثورية يعني القيادة الناصرية كانت تعبر عن قانون عام كان يجب العمل معه إن نحن أردنا الوصول إلى دولة الوحدة أو دفع العمل الوحدوي بشكل فعال في وجهة هذه الدولة، وأنها كانت تعبر بشكل خاص عن هذا القانون لأنها استقطبت بشكل فريد في التاريخ ولاء الشعب العربي العارم عبر الحدود الإقليمية، لهذا فإن هذا البحث لن يعرض ما قدمه عبد الناصر من خدمات لقضية الوحدة، بل يقتصر على شيء أبعد وأهم وهو الإشارة  إلى وجود قيادته في ذاتها كأكبر قوة دفع وحدوي آنذاك، وإن العمل الوحدوي الذي لم يدرك هذا كان من ناحية موضوعية، رغم نواياه الوحدوية، عدواً لدولة الوحدة، وبالتالي حليفاً غير واع لقوى التخلف العربي، للإمبريالية ولاحتلال فلسطين. ففي معارضته لقيادة عبد الناصر عارض الطريق التي يمكن لها إن تؤدي إلى الوحدة، الشرط الأول في تحرير فلسطين التغلب على قوى التخلف والإمبريالية.

بما أنه يستحيل في بحث كهذا التدليل تاريخياً على هذا القانون، فأنني أكتفي هنا بالإشارة فقط. في كتاب جديد بعنوان " شخصنة السلطة في تجارب التاريخ الوحدوية" سأقدم الدليل العلمي عليه بعرض  تاريخي عام لهذه التجارب يكشف بوضوح إن هذا النوع من القيادة كان يرافق جميع هذه التجارب، الكتاب سيدل أيضاً على اقتران هذه القيادة بجميع التجارب الثورية، وهي تجارب كانت عادة وفي أهم نماذجها-كالثورة الأميركية، الثورة الفرنسية، الثورة الروسية، الثورة الصينية، مثلاًً –تجارب وحدوية أيضاً. أنه سيصنف، من هذه الناحية، جميع التجارب الديمقراطية الثورية في تاريخ الغرب منذ ألف عام في النماذج التالية : (1) الديمقراطية الدينية في القرون الوسطى والحركة البروتستانتية.2) الديمقراطية اليعقوبية. 3) الديمقراطية الليبرالية. 4) الديمقراطية الشيوعية. 5) الديمقراطية الاشتراكية.6) الديمقراطية النقابية، ويدل كيف أنها كانت كلها تنتهي في قيادة مشخصنة  من هذا النوع، على الرغم من إن المبادئ والمفاهيم التي كانت تنطلق منها كانت تتنكر لها وتؤكد الفردية، والحرية، والاخاء، والمساواة بين الناس، وقدرة الفرد على سيادة مصيره. هذا يعني بوضوح بعض الأسباب الموضوعية التي كانت تفرضها كظاهرة مستقلة عن إرادة الأفراد.

هذا الكتاب سيصدر العام القادم عن"مركز الدراسات العربية"، ويمكن للقارئ الرجوع إليه. ولكن إن كان مجال البحث لا يسمح بعرض ظاهرة شخصنة القيادة في تجارب التاريخ الوحدوية، فإنه يسمح بالإشارة إلى بعض الأسباب التي تفسر ظهورها، ومن ثم بعض الاستنتاجات العامة حول طبيعة الفكر الوحدوي العربي.

هذه الأسباب هي:

1-ضرورة الرموز العينية الحسية للحركات الوحدوية والثورية. النظريات الاجتماعية تفسر الأحداث والظواهر الاجتماعية السياسية بالرجوع إلى اتجاهات وعلاقات موضوعية تربط بينها، وليس بالرجوع إلى قوى إرادية أو شخصية. ولكن بما إن هذه القوى تكون أسهل منالاً وأقرب بكثير إلى إدراك الإنسان لأنها حسية، فإن الرجوع إلى قيادة مشخصنة في تفسير وضبط هذه الأحداث يكون في دوره أسهل واقرب إلى الإنسان.

السبب الذي يفسر ذلك هو إن الناس لا يستطيعون عادة رؤية المعاني والأفكار والمفاهيم في شكلها المجرد، أو بالأحرى الاكتفاء بصورتها المجردة، ولهذا فهم يعطونها الولاء عندما تتجسد في صور حسية.

الارتباط الفكري بعالم المقاصد والغايات والمبادئ التي يتطلع إليها الإنسان يعني جهداً عقلياً مستمراً، وممارسة دائمة للوعي، وهذا عبء فكري ينوء به عادة الإنسان. ولكن الارتباط بهذا العالم عن طريق صور حسية أمر سهل لأنه يقتصر على البصر والسمع ولا يتطلب أي جهد فكري كبير. قد يبلغ الإنسان في المستقبل قدرة جديدة في ممارسة الوعي لا يحتاج فيها إلى هذه الصور الحسية التي تعطيه شكلاً معيناً يحتاجه في ولائه لمفاهيم ومبادئ يؤمن بها، ولكن ما نراه حتى الآن من تجربته الإنسانية التاريخية يدل بوضوح على ضرورة هذه الصورة كي يمكن لهذه المفاهيم والمبادئ إن تتحول إلى قوة اجتماعية تاريخية كبيرة.

القائد الوحدوي والثوري يلخص ويمثل قيم واتجاهات مرحلة معينة، ويجعلها  واضحة للشعب بشكل يستحيل عن طريق العرض العقلاني والدليل العلمي.

هذه التجارب أو الوحدوية والثورية التاريخية تدل بوضوح أنه كي يمكن للناس عامة إن يعطوا ولاءهم الحماسي، إن يكشفوا عن طاقاتهم ويكرسوها في خدمة قضية كبيرة، يجب إن يرتبطوا بقائد-رمز، يشخصن المطامح والتطلعات التي ينشدونها ويتجاوزون بها واقعهم. الشعب يتحرك بكل طاقاته وإمكاناته عندما يوفق إلى رمز من هذا النوع. كل ارتباط بوحدة اجتماعية سياسية كبيرة يحتاج إلى رموز حسية، إذ  دون هذه الرموز يصبح الارتباط. فكرياً محضاً ومسألة مجردة، وهذا ما لا يستطيعه، ويأباه الناس. " بقدر ما يزيد حجم الوحدة الاجتماعية السياسية التي ندرسها، بقدر ما تزيد أهمية العنصر الذاتي أو الرمزي في عملية …. الدمج".

الدولة لا تستطيع إن توفر، في ذاتها، الاندماج السياسي والاجتماعي أو التجاوب الانساني الذي يحتاجه الفرد، لأنها بعيدة جداً عنه، علاقتها به علاقة غير مباشرة وذات طبيعة مجردة.

في غياب القيادة المنظمِّة والمنظمَّة لا يؤدي الاستياء الشعبي إلى أكثر من انتفاضات، قد تكون رهيبة الانفجار والقوة، ولكنها تكون مؤقتة وعابرة، ينفس فيها الشعب مشاعره المكبوتة دون إن تؤدي إلى تغيير جذري للنظام الاجتماعي. قيادة من هذا النوع تكون ضرورية  لإعطاء الشعب المتمرد الوحدة، الاستمرارية والنفس الطويل. ولكنها كي تقوم بهذا الدور، تحتاج هي الأخرى إلى القائد-الرمز الذي يمثل للناس هذه الوحدة الثابتة في صور حسية ملموسة.

القول إن هذه السمة تقتصر على المجتمعات القديمة فقط قول لا يتميز بأي قدر من الموضوعية، لأن نظرة واحدة على العصر الحديث، ابتداء من القرن السابع عشر، تكشف بوضوح إن ولاءات وانتماءات المجتمعات الحديثة تتمحور باستمرار في صور ورموز حسية.

الإنسان كان يتميز، كما يكتب بيرغر، بعينين طيلة احقاب طويلة جداً قبل إن يتميز بالقدرة على الفكر أو الوعي المجرد، وفي العصر الحديث، عصر المطبعة، القراءة والدراسة، لا تزال الصور الحسية أقوى بكثير من الكتب.

الرمز يعني صورة تبسيطية أو دليلاً حسياً لمجموعة معقدة من التصورات الفكرية أو المفاهيم الايديولوجية. لهذا تلعب الرموز والشعارات دوراً أساسياً ليس فقط في الحياة الثورية أو السياسية، بل في جميع مستويات الحياة. العقل الإنساني يعجز، كما يظهر، عن " الهرب من غريزته العميقة في شخصنة مفاهيمه الفكرية"

هذا النزوع إلى شخصنة التصورات الفكرية كان يعبر عن ذاته تاريخياً في استخدام شتى أنواع الرموز التي تجسد الأمة أو القومية. أننا نجد هذا واضحاً في صور كلاسيكية كبريطانيا، جرمانيا، ايطاليا أو رموز أخرى،"كجون بول" البريطاني، "ميشال" الألماني، طماريان" الفرنسية، "العم سام" الأميركي، أو من ناحية أخرى، في "الأسد" البريطاني، " النسر" الالماني، الديك " الفرنسي، "الدب" الروسي، "التنين" الصيني أو الوالشي، "شجرة الليمون" السلافية، "الشبندر" الايرلندي، الخ… هذه الصور الرمزية كانت تضفي على مفهوم الأمة المجرد شكلاً حسياً يستطيع إن يثير، أكثر من المجردات، المشاعر الحماسية.

شخصنة القيادة تعود إلى نقص في الوعي الفكري،  وهو نقص يتطلب صورة القائد الشخصية التي يمكن لها إن تحول المجردات السياسية إلى مستوى  حقائق بسيطة مفهومة يمكن إدراكها.

الإيمان بقوى شخصية أو إلهية هو أقرب إلى الحياة اليومية من التجريدات الميتافيزيقية والتصورات الذهنية. إننا لا نحتاج إلى جهد فكري كبير كي ننقل إلى كائنات أخرى الإرادة والأفكار التي نلاحظها عادة في الإنسان، فمن السهل جداً عليه إن يرى "أثينا" من إن يرى عالم الأفكار الأفلاطونية، إن يرى "مينيرفا" من إن يرى العقل المجرد، إن يرى المسيح من إن يرى المفاهيم الكنتية، إن يرى ستالين أو ماوتسي تونغ من إن يرى الماركسية.

فولتير كان يرى إن "أبطال" الماضي كانوا يخلقون الأساطير التي تدور حولهم عن طريق الخداع والكذب، وأن جان دارك نفسها مثلاًً كانت تزور الأعاجيب.

لا شك أننا نجد بين أبطال الماضي من كان يحاول متعمداً خلق هذا النوع من الأساطير، ولكن تعميم ذلك خطأ فادح لأن السيادة التاريخية التي مارسها هؤلاء لا يمكن إن تجد تفسيراً لها في الكذب والخداع، وأنها، كي تظهر وتتغلب على الصعوبات الهائلة التي تعترضها، يجب إن تقترن بالصدق والأمانة للمبادئ التي يدعون لها.

الناحية الأخرى المهمة التي يهملها تفسير من هذا النوع هي السبب الذي كان يدعو هؤلاء إلى "اختلاق" الأساطير حولهم … الأسباب التي كانت تدعو إلى هذا التزوير… حتى إن افترضنا جدلاً إن هذه الأساطير كانت متعمدة، فإن ذلك لا يفسر انتشارها، قبولها والإيمان بها.

عند مراجعة هذه الأساطير نرى أنها في كثير من الأحيان كانت تتبلور أو تشتد بعد موت القائد، مما يدل بوضوح إن أسبابها البعيدة تعود إلى التربة الاجتماعية النفسية التي تنشأ فيها.

أسطورة "القيادة المشخصنة" تنبع بالدرجة الأولى من الخيال النفسي الشعبي العام الذي يمارس عادة المبالغة في كل شيء، ومن المبالغة ينتقل إلى تبسيط كل شيء. إنه ينفر من الفروق الدقيقة ومن المشاكل والقضايا المعقدة، أما الأحداث الكبيرة المتشعبة الجذور والتركيب فتصبح في يد هذا الخيال من صنع فرد أو بضعة أفراد.

بالإضافة إلى هذا المصدر العفوي التلقائي، نجد مصدراً آخر واعياً يغذيها، يقويها، يدافع عنها، ويتفرع من جهود وأعمال أفراد يرجعون إلى الأسطورة كأداة في إضفاء الشرعية على قيادتهم وخدمة مصالحهم. ولهذا فهم يضخمونها ويزيدون من بريقها.

ثم هناك، من ناحية ثالثة، النتاج الفكري أو الأدب الذي يعتمد الأسطورة، يبلورها، يوسعها ويعمقها، كأداة في التعبير عن مطامح وتطلعات خاصة أو عامة.

(2)- تركيز السلطة كرد على المخاطر والأزمات. عند مراجعة التاريخ نرى بوضوح واستمرار إن المجتمعات التي كانت تجد نفسها محاطة بأزمات ومخاطر طارئة كانت تعتمد سلطة مركزة في يد قائد واحد في ردها عليها. الحرب تشكل أهم هذه الأزمات والمخاطر، وتتطلب، أكثر من أي عمل آخر، درجة عليا من ضبط الجهود وتنظيم الطاقات، ولهذا كانت تدفع إلى تركيز كبير للسلطة. أكثر القبائل بدائية، حتى التي لا تعرف رئيساً أو قائداً في وقت السلم، كانت تفرز هذا النوع من القيادة المركزة في زمن الحرب.

في ثقافات ما قبل التاريخ نرى إن تلك التي لا تترك وراءها آثار أسلحة وحصون، لا تكشف أيضاً عن آثار لرؤساء وملوك في شكل مساكن وقبور تتميز عن غيرها. بين الثقافات البدائية المعاصرة، نجد أيضاً إن تلك التي لا تعرف أشكال السلطة التي يمارسها قادة ورؤساء هي تلك التي تعيش في حالة السلم.

الرومان في عهد الجمهورية كانوا يرتابون بأشكال السلطة الشخصية ويحتاطون ضدها إلى درجة كانوا يجعلون قيادة الجيش في يد قائدين يقودانه بالتناوب. ولكن في وقت الخطر، عندما يجب صنع كل ما يجب في تحقيق النصر، كانوا يلغون هذا الترتيب ويعطون سلطة غير محدودة لقائد واحد إلى إن تنتهي الأزمة ويزول الخطر.

خطر أو احتمال وقوع الحرب، وليس فقط الحرب الفعلية، كان يدفع عادة المجتمع الذي يتعرض له إلى تنظيم أموره بشكل يعطي سلطة مهيمنة لقائد واحد، لأن خطراً من هذا النوع يعني الاستعداد له، والاستعداد له يعني تعبئة وتنظيم ما يتوفر من قوى وإمكانات بشكل سريع وفعال، حتى إذا وقعت الحرب يكون المجتمع مستعداً لها.

ليس من قبيل الصدفة، في الواقع، إن يكون ظهور النظام البرلماني التمثيلي إلى الوجود كان في بريطانيا، وذلك لأنه يرجع بشكل خاص إلى وجودها كجزيرة، الذي أعطاها عزلة جغرافية وفرت عليها مؤونة الاعتماد على جيش كبير يمارس دوراً كبيراً في الدفاع عنها وحمايتها. الأسطول الذي كانت تعتمد عليه لم يكن، ولا يستطيع إن يكون، أداة في الاستيلاء على السلطة والتحكم في السكان.

هذا النظام البرلماني التمثيلي استطاع الانتقال إلى والاستمرار دون انقطاع فقط في البلدان التي لم تكن تحتاج، وللسبب نفسه، أي عزلتها الجغرافية إلى جيوش كبيرة في الدفاع عنها وحمايتها. حتى في البلدان الانكلوسكسونية، مسرح هذا النظام التمثيلي الذي يتميز فيها بتقاليد قوية عريقة، نجد إن الحرب كانت تؤدي دائماً إلى درجة عليا من تركيز السلطة في يد رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية. نمو سلطة العسكريين في الولايات المتحدة في الخمسينات والستينات –وهو نمومماثل لسلطة العسكريين في العام الثالث- يدل إن السلطة العسكرية في تحديد شكل وسياسة الدولة تزيد وتتسع في أوضاع الحروب "الساخنة" و"الباردة".

ليس من قبيل الصدفة أيضاً انتشار الايديولوجيات والأنظمة التي تدعو إلى الحريات والحقوق الفردية في القرن التاسع عشر بعد انتهاء الحروب النابليونية. السبب يرجع بقدر كبير إلى كون تلك المرحلة الطويلة كانت مرحلة سلمية فريدة.

الثورات أيضاً ذات صلة وثيقة بالسلطة المركزة، وهي تلازمها ملازمة "يهزمون الأمراء الغير اقطاعين"(K.w.dutschetal,theintegration of political communities lippincott.1964.p.195) القيادة المشخصنة كانت من أهم الوسائل عبر التاريخ في تجاوز ولاءات تقليدية واستبدالها بولاءات وانتماءات جديدة.

المشاعر الكبيرة التي تستقطبها قيادة من هذا النوع تشكل قوة مضادة لقوى التبعثر والتشتت لأنها توفر قاعدة مركزة تتبلور فيها وحولها هذه المشاعر التي تتجاوز الانتماءات التقليدية.

في العالم الثالث تحتاج الثورة مثلاًً إلى إقامة ولاءات قومية جديدة تتركز في دولة قومية جديدة تمثل الشعب ككل. ولكن بناء هذه الولاءات الجديدة يتعارض مع الولاءات التقليدية التي تدور على انتماءات عائلية، قبيلية، محلية، لغوية، أتينة (ethnic) )طائفية.الخ.. القيادة المشخصنة تجسد هذه الولاءات الجديدة وبذلك تساعد على تحقيقها.

مجتمعات العالم هي مجتمعات زراعية تقليدية وهذا يعني تعدد الولاءات والانتماءات الجزئية التي لا تترك مكاناً يذكر لولاء عام للمجتمع ككل هذا الولاء العام الثالث تقريباً نجد إن الوحدات الاجتماعية التي ينتمي إليها الناس والولاءات التي يعنونها، هي وحدات وولاءات محدودة ومحلية. لذلك كان دمج هذه الأخيرة في أشكال تمتد إلى الوطن والأمة من أولى المهمات التي تجابه طور التحديث وعملية التنمية الاقتصادية. ولكن هذا الدمج القومي يحتاج، كي يتم، إلى دمج شعوري يبلور المشاعر نفسها فيه. القيادة المشخصنة تقوم بدور الرمز لهذا التغيير، وتستطيع بما تستقطب من عواطف ومشاعر إن تحدث هذه البلورة الشعورية في القالب الجديد.

أننا، فيما يتعلق بوضعنا، قد ننادي بالقومية والوحدة العربية والدولة الواحدة، ولكن انتماءات الشعب العربي لا تزال أساسياً غير قومية. فالانتماءات التي تحد سلوك الأكثرية الساحقة من هذا الشعب لا تزال محلية، عائلية، قبيلية، طائفية، الخ… المشكلة الأولى التي تواجهنا في هذا الصدد هي بناء الوعي القومي الواحد والولاءات التي تتفرع منه. القيادة المشخصنة كانت حتى الآن على الأقل شرطاً أساسياً لذلك.

المجتمع المجزأ المبعثر يحتاج في تحقيق وحدته إلى سلطة مركزة تعلو على سلطة القادة والأنظمة المحلية، وتستقطب ولاء عاماً ضد هذه السلطة الأخيرة. في هذه الناحية يكتب جون ستيوارت ميل " بأنه ليس من المحتمل لشعب تمرس على الشجاعة بصراعات مع الطبيعة وجيرانه، ولكن دون إن يعرف الطاعة المستقرة الثابتة لسلطة عليا، إن يحصل على هذه العادة (أي الطاعة لسلطة عليا) في ظل حكومة جماعية تمثله. إن جمعية تمثيلية تمثل أجزاءه المختلفة تعكس فقط تمرده المتقلب". المجتمع المجزأ يعجز عن تحقيق وحدته بطريق ديمقراطية، حتى وأن كانت الوحدات التي ينقسم فيها تمارس ديمقراطية محلية  فعالة. " إنني لا أعلم بأي حقل تاريخي استطاعت فيه هذه الذرات أو الخلايا السياسية إن تتحد في كيان واحد، أو إن تتعلم بأن تكون شعباً واحداًً دون خضوع سابق لسلطة مركزة تشملها جميعها".

4)-الوحدة (وبالتالي الثورة) تعني إلغاء الأنظمة والقيم والعلاقات السياسية الاجتماعية السابقة واستبدالها بأنظمة وقيم وعلاقات جديدة. المجتمع يحتاج في هذه المرحلة إلى سلطة تسد الفراغ الذي يرافق الانتقال إلى نظام جديد. القيادة المشخصنة  تمارس هذا الدور إلى إن تتم إقامة هذا النظام، استقرار قواعده، وانتقال الولاء إليه. عندما يتم ذلك تخسر هذه القيادة ضرورتها وتزول. هذه القيادة تصبح شبه نظام في ذاتها، لأنها تشكل آنذاك أهم عنصر في توحيد القوى الجديد. وبما أنها تظهر كممثل للسلطة الوحيدة الثابتة والمترجم الوحيد لتفكير ايديولوجي جديد، فإن الولاء يتركز عليها.

النظام الجديد الذي تحاول الثورة خلقه ينطوي في بدايته على ضعف كبير لأنه لا يزال في دور التكوين والنمو، ولايتميز بالتالي بما يحتاج إليه من وحدة وشرعية في تنظيم أجهزته ومؤسساته. وجود قيادة مشخصنة تجسد آمال ومقاصد الشعب يعوض عن هذا الضعف ويضبطه إلى إن يتم البناء الثوري الجديد.

5)-الثورة تعني موانع  وصعوبات كبيرة هائلة، ولهذا فإن نجاحها يضفي على من يقودها سلطة معنوية كبيرة، القيادة المشخصنة تعبر في هذه الأوضاع عن حماس الشعب الكبير لثورته (أو لوحدته)، اعتزازه بها وبمنجزاتها، واعترافه بخدمات القيادة الكبيرة في قيادة ثورته.

6)-الاعتياد على قيادة معينة يتم في إطارها التغلب على أو تجاوز أزمات كبيرة، ينمي الاعتقاد بفرادتها وتفوقها، وبأن القائد يعتمد صفات وإمكانات غير عادية، تضفي عليه شرعية خاصة، وتؤدي بالتالي إلى شعور من التبجيل، والرهبة،والولاء الكبير له.

الناس يشعرون عادة برهبة كبيرة أمام قوة وعظمة الأمة أو الثورة، ويميلون بالتالي إلى تعميق شخصيتهم وتقويتها عن طريق دمجها بالشخصية الجماعية. ولكن بما إن هذه الشخصية تصور ذهني مجرد، وبما أنها تعبر عن ذاتها عادة برموز حسية مادية، تأتي في طليعتها صورة القائد، فإن الناس يعطون ولاءهم لهذا الرمز في نزوعهم إلى دمج ذاتهم في الذات الجماعية.

7)-قليلون هم الأفراد الذين يستطيعون، كأفراد، إن يصلوا إلى مكانة عليا أو إنجازات إبداعية كبرى يعتزون بها. ولكنهم، من ناحية أخرى، يستطيعون ذلك بشكل بديلي عن طريق القيادة الكبيرة، لأن ذلك يولد فيهم شعوراً بالمشاركة في منجزاتها ونجاحاتها وفي النفوذ الذي ينتج عن ذلك، فيشعرون بقيمة ذاتية عن طريق اقتران اسمهم باسم القائد أو الدور الذي قام به.

بالإضافة إلى هذه الأسباب التي تفسر مباشرة ظهور القيادة المشخصنة لأنها ترتبط بالأوضاع التي تحيط بها عند ظهورها، هناك أسباب أخرى عامة يمكن الإشارة إليها كأسباب غير مباشرة لأنها لا تتفرع من الأوضاع الخاصة التي ترافقها. أهم هذه الأسباب هي"

1)- الميول الاتكالية، فأشكال السلطة المختلفة لا تعتمد نهائياً في وجودها على الصنف أو احتكار وسائله، بل على ما يميز الناس عادة وبشكل عام من ميول اتكالية متجذرة في وضعهم الاجتماعي النفسي. الناس يمنحون، بسبب هذه الميول، إمكاناتهم وولائهم للقائد، وبعد ذلك، ينبهرون بسلطته ويخضعون لها بشكل عفوي تقريباً. "معظم الناس يشعرون إن السياسة قضية صعبة، وأنه من الأحسن لهم إن يتبعوا قائداً- أنهم يشعرون بهذا غريزياً ودون وعي… دون إن يصبح العمل السياسي الجماعي صعباً أو نادر الحدوث"

بين أهم النتائج التي وصلت إليها السوسيولوجيا السياسية في الغرب، نجد ما أحدثته من إعادة نظر في الصورة التقليدية للناخب ككائن عقلاني. فقد كان اعتقاد سائداً إن الناخب يمارس اختيار مدروساً في اقتراعه، وأن قراراته تأتي نتيجة تفكير متأن في القضايا التي يقترع حولها. ولكن السوسيولوجيا السياسية كشفت بوضوح في العقود الأخيرة إن الناخب يتجه إلى الانتخاب تبعاً لمواقف تبلورت فيه قبل الحملة الانتخابية نفسها، وأن الانتخاب هو، في الواقع، تقليد يتبعه وليس قراراً حراً يقوم به.

هذه السوسيولوجيا كشفت ليس فقط عن قلة الناخبين الذين يغيرون رأيهم نتيجة الحملة الانتخابية وما توفره من مناقشات ودراسات ووقائع، الخ… أو من بين انتخاب وآخر، بل أيضاً عن درجة عليا من اللامبالاة بين الناخبين ، وأن هؤلاء يجهلون القضايا التي يقترعون عليها, السبب هو إن "تفكير الفرد بشكل مستقل هو دائماً متعب أكثر من تفكيره عبر عقول الآخرين".

2)-هوية الفرد تتحدد عادة بالرجوع عادة بالرجوع إلى نماذج اجتماعية، إيديولوجية، فكرية، سياسية الخ… تقترن بها. هذا العامل يزداد أهمية في الأوضاع المعقدة والأزمات ومراحل التحول الاجتماعي السريع حيث يحتاج الفرد إلى هوية جديدة، فيعمل على تقييم ذاته، مركزه وموقفه بالاقتران بنماذج تساعده على اختيار ذاته وتحديد سلوكه. القائد الذي يتمتع بدرجة كافية من النفوذ يدفع الملايين العديدة من الناس إلى تقليد أفكاره وإهماله. القائد الثوري الكبير يعطي الناس الاتجاه أو الدليل الذي يحتاجون إليه في مرحلة ضاع فيها وغمرتها البلبلة والفوضى، الولاء لا يكون آنذاك واجباً فقط، بل حاجة.

3)-عندما نتطلع كأفراد إلى أنفسنا، نعي دور المقاصد والغايات الفردية في تحديد سلوكنا، وفي بعض الأحيان ننجح، إلى حد ما على الأقل، في تنفيذ بعض هذه المقاصد والغايات. هذا القدر من النجاح، وإن كان محدوداً، يحدد نمط حياتنا، هذا إن لم نقل حياتنا كلها، لهذا ليس من الغريب إن نجد إن الناس عامة يربطون مجرى الأحداث بالإرادة الفردية، وبالتالي يجعلون تحولات التاريخ انعكاساً لإرادة "القائد" أو "البطل".

الانتقال من هذه التجربة النفسية الفردية اليومية إلى النقد الفكري أو الوعي العلمي الذي يكشف عن القوى، الاتجاهات والقوانين العامة التي تسود موضوعية الواقع المستقلة، يفرض تمرساً فكرياً كبيراً وطويلاً لا يتوفر عادة إلا بشكل محدود.

الناس يجهلون عادة القوى الموضوعية العامة التي تؤثر في سلوكهم الفردي وتحدد إرادتهم، فيميلون غالباً إلى الاعتقاد بأنهم يتميزون بارادة حرة طليقة في تقرير أعمالهم، ويعزون بالتالي إرادة هائلة إلى قادتهم.

عندما نجهل القوى والأسباب العامة التي تحدد الآراء والمواقف السياسية المختلفة، نميل إلى الافتراض بأن الذهنية العامة أو حركة التاريخ هي بمثابة لوحة بيضاء يستطيع القائد إن يكتب عليها ما يشاء. هنا نجد سبباً من أهم الأسباب التي تدفع الناس إلى إعطاء القائد أثر كبيراً مهماً في التاريخ لا يتلاءم أبداً مع الدور الحقيقي الذي يمكن له إن يقوم به.

هذه هي ظاهرة القيادة المشخصنة، وهذه هي أهم الأسباب التي تفسرها. فالظاهرة عنصر متأصل في تجارب التاريخ الوحدوية والثورية، والأسباب تتفرع من الأوضاع الموضوعية التي تكشف عنها هذه التجارب. هذا يعني، مرة أخرى، إن ظاهرة القيادة المشخصنة تشكل قانوناً يفرض ذاته، لا يمكن تجنبه وتفاديه في حركة وحدوية وثورية فعالة. ولكن الفكر الوحدوي العربي (وبالتالي الثوري) كان غريباً عن إدراك هذا الواقع، النمط الفكري أو المنهج العلمي الذي يؤدي إليه. هذا يعني، من ناحية ثانية، إن قيادة عبد الناصر في نهاية الخمسينات وعبر الستينات، وفرت لنا شرطاً أساسياً لا يمكن دونه تحقيق دولة الوحدة. ولكن بدلاً من الإفادة من ذلك في تحقيق هذه الدولة أو في اتخاذ خطوات إيجابية فعالة نحوها، راحت قطاعات كبيرة من "الوحدويين" تحارب هذه القيادة، وتنشغل بمحاربتها عن كل شيء آخر. النتيجة كانت  إضاعة فرصة التاريخ الحديث الوحيدة التي توفرت لنا في تحقيق الوحدة.

بما إن الدراسات الوحدوية التي ظهرت حتى الآن لا تتفرع من أو تعتمد على دراسة جامعة للظاهرة الوحدوية، أي لتجارب التاريخ الوحدوية. فإن "أخلاقية" الوحدة حلت محل "سوسيولوجيا" الوحدة، أي إن الأفكار التي نتصورها سلفاً عن الطريق التي "يجب" إن تؤدي إليها حلت محل الطريق التي تتبعها أو كانت تتبعها العملية الوحدوية في الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة.

الفكر الوحدوي دلل حتى الآن، وخصوصاًً في موقفه من القيادة الناصرية، أنه عاجز، فيما يتعلق بالطريق إلى الوحدة، عن التمييز بين عالم الشعر وعالم الواقع الموضوعي.

الفكر الوحدوي العلمي هو فكر يستطيع إن يتقدم على زمانه أو وضعه الخاص ويحدد التحولات أو احتمالات التحول التي سيتعرض لها. ولكن كي  يستطيع ذلك يحتاج إلى نظرية وحدوية علمية جامعة من النوع الذي أشرنا إليه.

عندما نتطلع إلى تحقيق دولة واحدة، فإن المسألة الأساسية والحاسمة هي إقرار وتحديد الطريق إليها. ولكن إن كانت الظواهر الاجتماعية تتميز، كما توءمن كدعاة منهج علمي، بموضوعية مستقلة وأن هذه الموضوعية تعبر عن ذاتها باتجاهات أو قوانين عامة، وجب علينا، عند تحديد الطريق، إن ندرس الكيفية التي كانت تتحقق فيها عبر التاريخ. عندما نجد، كنتيجة لهذه الدراسة، إن هذه الطريق كانت تكشف باستمرار، مثلاًً، عن قيادة مشخصنة ترتبط بها الجهود أو العملية(process) الوحدوية، وعندما تتوفر لنا قيادة من هذا النوع تستطيع إن تكون رمزاً يجسد القصد الوحدوي، وتستطيع استقطاب ولاء الجماهير عبر الحدود القطرية، وجب العمل معها وليس معاداتها، لأن معاداتها تكون معادة للوحدة نفسها، وبالتالي لقاء موضوعياً مع الاحتلال والإمبريالية اللذين يحولان باستمرار قتل هذه الوحدة. هذا بالضبط ما صنعه خصوم القيادة الناصرية.

العلم يحاول دراسة الماضي وما يكشف عنه من نظام كي يحدد المستقبل، قصده هو إن ينتزع من العالم الموضوعي الذي يواجهه الانتظامية المتكررة( repetitive regularity))  التي ينطوي عليها. العام يعني بالتالي، فيما يتعلق بموضوعنا، النظام الذي ينطوي عليه مجرى العملية الوحدوية، أي حركة الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة.

هناك شيء مريب في كل فكر اجتماعي وسياسي كالفكر الوحدوي العربي،-وخصوصاًً في مقاومته لقيادة عبد الناصر- لا يعتمد تجارب التاريخ وظواهر الاجتماع حول الموضوع الذي يعالجه، لأن ذلك يوحي بالخضوع لتجارب ذاتية، انفعالات  آنية، مؤثرات سياسية عارضة، نزوات، ورغبات قصيرة النفس.مقاومة هذا الفكر لقيادة عبد الناصر كانت ، في ضوء القوانين التي تكشف عنها  تجارب التاريخ الوحدوية، نثراً شعرياً، عبارات منمقة، وأحكاماً أخلاقية.

ولكن النثر الشعري ليس علماً، والعبارات المنمقة ليست تحليلاً، والأحكام الأخلاقية ليست قوانين أو اتجاهات موضوعية، هذا الفكر كان في النتائج التي ترتبت عليه وفي المواقف التبشيرية التي انطلق منها فكراً رجعياً لأن كل فكر يقاوم القوانين الموضوعية لعملية اجتماعية تاريخية يكون فكراً رجعياً. لهذا كان هذا الفكر يماثل "الفجل"، أحمر من الخارج وأبيض من الداخل، ثوريته قشرة خارجية رقيقة تستر عقلية متخلفة، وبالتالي رجعية . غياب نظرية وحدوية علمية من هذا النوع الذي ينتج عن دراسة الظاهرة الوحدوية في تجارب التاريخ الوحدوية، يعني انحرافاً ساكناً فينساق فيه صاحبه إلى ردود فعل انفعالية، إلى الاستجابة لحوافز آنية ومحرضات عاطفية دون تدخل العقل الذي يستطيع إن ينظمها . هذا قد يجره ليس فقط إلى أخطاء وانحرافات غير مقصودة، بل إلى الانتهازية وحتى الخيانة الواعية.

المفاهيم النظرية والسياسة لا تستطيع، إن أرادت إن تكون فعالة في الواقع، إن تنفصل عن إمكانات هذا الواقع، الاتجاهات والقوى العامة التي تحدد سيره. ما نرغب في تحقيقه يمكن له التحقق فقط عندما يرتبط بما يمكن للواقع  المتحول المتحرك الانفتاح له واستيعابه.ط ما يجب إن يكون" يجب إن يرتبط، بعبارة أخرى، بـ " ما يمكن إن يكون"، بما يمكن للواقع إن يفرزه من قوى جديدة في مرحلة معينة. الحرية تتطلب الممارسة الحرة للعقل أو القدرة على الاختيار ولكن مع الوعي للحدود التي يضعها التاريخ على هذه الممارسة. العقل الحضاري الحديث لا يجد ميزته ومعناه بإيمان غير محدود بالعقل فقط، ولكن بوعي حاد للحدود أيضاً.

الأفكار والمفاهيم السهلة- وهي سهلة دائماً عندما تكون شعائرية- تكون مضرة لأنها تخلق وهماً حول سهولة تحقيق الوحدة أو المقاصد الثورية. الفكر "الأخلاقي"- والفكر الوحدوي كان أساسياً حتى الآن من هذا النوع- يجهل أو يتجاهل الواقعة العلمية البسيطة الواضحة وهي إن الوقائع تتمرد على رغبات الإنسانية، وأنها ليست طيعة لهذه الرغبات، وأنه الوقائع تتمرد على الرغبات الإنسانية، وأنها ليست طيعة لهذه الرغبات، وأنه إن أردنا استخدامها أو استنفارها في خدمتها، يجب، إن نكشف أولاً عن ديالكيتكها الموضوعي وأن نعمل معه.

العمل الوحدوي لا يعني تصورات ومثلاًً تحاول اختراق الواقع الإقليمي وتحقيق ذاتها. بل مفاهيم تحاول إن "تستشير" الواقع في كيفية اختراقه وتطويعه لإرادتها. فكي تكون هذه المفاهيم قادرة على تحديد سير الواقع، يجب على هذا الواقع نفسه إن يكون متجهاً نحوها.

لقد قيل في أحزاب اليسار الفرنسي إن التاريخ كان، لمدة طويلة، يصنع نفسه دون هذه الأحزاب التي لم تحقق شيئاً لوقت طويل، ولكنها منعت بعض الأشياء من الحدوث…

أن كان من الممكن قول هذا في أحزاب اليسار الفرنسي فمما لا شك فيه أنه قول يصدق أكثر بكثير على كثير من الأحزاب التي قاومت القيادة الناصرية.

نتيجتها كانت تخريب العمل الوحدوي، بل هو قتل الوحدة والثورة نفسها، لأن الثورة لا تكون صحيحة دون العمل دون دولة الوحدة كإطار لها.

أن لينين كان يحذر باستمرار من مخاطر اليسار المتطرف أو الطفولي. ففي مقال في البرافدا مثلاًً، تاريخ 21 فبراير، 1918، كتب بان عبارة صنع- الكلام الثوري، التي كان يرجع إليها، تعني ترديد شعارات ثورية بصرف النظر عن الأوضاع الموضوعية القائمة في منعطف معين للأحداث، وفي الوضعية الخاصة التي تسودها. فالشعارات ممتازة، جذابة، مُسكرة، ولكن ليس هناك من أرضية لها. هذه هي طبيعة الجملة الثورية. ثم يختم مقاله بما يلي: "يجب إن نناضل ضد الجملة الثورية، علينا إن نقاومها. يجب إن نقاومها مقاومة مطلقة وذلك كي لا يمكن للناس في المستقبل إن يشيروا إلينا بالحقيقة المرة، " إن جملة ثورية  حول حرب ثورية خربت الثورة" هذه "الجملة الثورية" استطاعت مع الأسف، في وضعنا، إن تخرب الوحدة وبالتالي الثورة عندما قاومت القيادة الناصرية التي لو أحسنا استخدامها لكان بالإمكان تحقيق الوحدة. إن لينين وصف " منبع الكلام الثوري" واليسار "المتطرف" بأنه "حكة"، كجلد يتطلب الحك، ثم أشار بأن هذا التشويه يبرز غالباً من أحسن وأنبل وأعلى الحوافز، ولكن هذا لا يعني إن الحكة غير مؤذية.

استخدام أكثر الشعارات تطرفاً، أكثر الحناجر حدة فرازيولوجية، أكثر العبارات بلاغة، أكثر المواقف" نقاء" وحدوياً، أكثر المفاهيم تبسيطاً للواقع، لا يؤدي إلى النتائج التي نتوخاها ولا يفرز الأعمال الإيجابية التي تحتاجها  الوحدة. ما يستطيع ذلك هو العمل الوحدوي الذي يستطيع تحقيق درجة عليا من تجاوب مع الديالكتيك المستقل الذي يسود تجارب التاريخ الوحدوية.

الفكر التبشيري يضفي على الأشياء كما هي الأشياء التي يرغب فيها،  يخلط بين الوقائع والرغبات، بين الواقع الموضوعي الذي نجابهه وبين القيم والمقاصد التي نتطلع إليها، وبذلك يضيع الخط الفاصل بين ما هو كائن، ما يمكن إن يكون، وما يجب إن يكون. بما إن هذا الفكر ينظر عادة إلى الواقع نظرة مطلقة لا تعرف التكيف معه عبر استراتيجية مرحلية أو تكتيك ديالكتيكي يتفرعان من نظرية علمية جامعة، فإنه يكون معرضاً دائماً إلى الخروج من مجرى التاريخ، مما يجعله فريسة سهلة للانتهازية، وللخروج من وعلى القضية الوحدوية نفسها.

الخوف من التخلف في مواقفه الثورية، من تقدم آخرين عليه في راديكالية الدعوة وفي التصميم الحاسم، هو ما يميز الفكر التبشيري. هذا الخوف كان يشك " لعنة" تحل بالكثيرين من الثوريين في تجارب التاريخ الثورية الذين خسروا وعيهم الموضوعي، تنكروا له بسبب هذا الخوف، فكانوا يرفضون رؤية أكثر سمات الواقع وضوحاً، ولكن المأساة، فيما يتعلق بوضعنا، إن هذه " اللعنة" لم تقتصر على الثوريين الذين قاوموا القيادة الناصرية، بل امتدت منهم إلى الأمة العربية كلها لأنها منعت تحقيق الوحدة، وبذلك منعت عن هذه الأمة الأداة التي تستطيع بها تحرير ذاتها من الاحتلال ومن التخلف. " الأمانة" الأخلاقية لقضية الوحدة لا تعني إن صاحبها يعرف كيف يخدم هذه القضية، أو أنه يتميز بالفكر أو الوعي الصحيح الذي يجب إن يتوفر له من هذه الناحية.

الفكر الوحدوي كان حتى الآن يبدو، في طابعه العام، وكأنه يقول أننا  نصبح وحدويين عندما نختار إن نكون وحدويين وليس عندما نحول الواقع الموضوعي في وجهة دولة الوحدة. فهويتنا تكون هوية وحدوية عندما نحددها كهوية وحدوية وليس عندما تدل أعمالنا على قدرتها في دفع الواقع الموضوعي إلى تجاوز ذاته نحو الوحدة. إنه يتراءى وكأنه يقول بأن كل ما نحتاجه في خلق دولة الوحدة هو أن ندعو إليها ونؤمن بها، أو إن نصف هذه الدولة وليس أن نصنعها.

هذا النوع من الفكر الوحدوي التبشيري كان مسؤولاً عن أكبر نكبة حلت بنا في تاريخنا الحديث وهي عجزنا  عن الإفادة من قيادة عبد الناصر في تحقيق دولة الوحدة. أنني أعيد هنا ما ذكرته منذ بضع سنوات في مناسبة أخرى وهو إن مؤرخ المستقبل سيكتب، عندما يرجع إلى هذه المرحلة الحالية يؤرخها، بأن أعظم نكبة حلت بنا لم تكن خسارة فلسطين، الضعف الذي يستمر عليه، أو التخلف الذي تدور فيه، بل قصورنا الفاضح عن إدراك مغزى قيادة عبد الناصر الوحدوي، وعجزنا عن استخدام ذلك في تحقيق الوحدة أو تحقيق خطوات كبرى نحوها.

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال عبد الناصر
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال عبد الناصر:
جمال عبد الناصر ينبض بالحياة على الإنترنت - حسام مؤنس سعد


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.12 ثانية