Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 34
الأعضاء: 0
المجموع: 34

Who is Online
يوجد حاليا, 34 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

سعيد الشحات
[ سعيد الشحات ]

·إلى الذين لا يعرفون مصر قبل ثورة يوليو - سعيد الشحات
·«الديب» و«خليل» يسافران إلى ألمانيا لتنفيذ خطة تهريب قادة الثورة الجزائرية

تم استعراض
51282428
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
إطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر 2 - جمال الأتاسي
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: جمال الأتاسي



2- فكر عبد الناصر في جدلية تقدمه ونضجه: من الثورة الوطنية إلى الثورة الكاملة والاشتراكية العلمية

" إن حركة الجيش ما قامت إلا لتحرير الوطن وإعادة الحياة الدستورية السليمة للبلاد، وإن كل هدفنا أن نوفر للشعب حرية كاملة لا يمكن سلبها... " . تلك كانت الكلمات العلنية الأولى التي سمعتها الجماهير من عبد الناصر، وعرفت فيها الجماهير لأول مرة صوت عبد الناصر، عندما وقف ليتكلم باسم " ثورة 23 يوليو " في احتفال بذكرى شهداء الجامعة ، أقيم في 15 تشرين أول (أكتوبر) عام 1952، وعندما أخذ يسترجع بداية تشكل وعيه الوطني والنضالي وهو طالب أيام دراسته الثانوية...
أما آخر كلماته، ولآخر مرة سمعت فيها جماهير الأمة صوته فقد كانت عندما وقف يختتم أعمال الدورة الرابعة للمؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي في 26 تموز (يوليو) 1970، حين قال :
" نحن نريد السلام ولكن السلام بعيد . ونحن لا نريد الحرب ولكن الحرب من حولنا. وسوف نخوض المخاطر مهما كانت ، دفاعاً عن الحق والعدل ... " . وقال أيضاً : " إن النصر عمل ، والعمل حركة، والحركة فكر، والفكر فهم وإيمان ، وهكذا ترون أن كل شيء يبدأ بالانسان ... " .
ومن كلمات البداية تلك إلى كلمات النهاية كان المسار التاريخي لمرحلة عبد الناصر، أو لرحلته الثورية الشاقة التي استمرت ثمانية عشر عاماً ، منطلقة من انقلاب عسكري ينجز المهمة الأولى من مهمات الثورة الوطنية في إسقاط النظام الملكي الرجعي الاستبدادي واللاوطني ، لتتحول إلى حركة ثورية مستمرة تتطلع إلى الشمولية وتأخذ أبعادها التاريخية . وهي مرحلة ملأها عبد الناصر بحضوره الدائم في حياة الأمة ، لا كقائد سياسي من مستوى الرجال التاريخيين الكبار فحسب ، بل وكموجه فكري وسياسي وأيديولوجي لحركة الجماهير، وكان صوته يرتفع مدوياً في كل مناسبة ، وأمام كل حدث أو تغيير أو موقف ، وكان فكره دائماً معلناً ومبسطاً يهز مشاعر جماهير الشعب ويشدها إلى الحركة ويناديها إلى العمل ويستنهض طاقاتها النضالية وتقدمها ، بل إن الفكر السياسي لعبدالناصر، ظل طوال مرحلته، وبخاصة منذ انتصاره في معركة تأميم قناة السويس وصعوده كبطل من أبطال التحرر الوطني والقومي في العالم، أصبح هو المسموع من جماهير الأمة العريضة كلها قبل غيره . ومرت تلك السنوات العديدة وقد أصبحت كلمات عبد الناصر ومواقفه ، المصدر الرئيسي لتوجهها النضالي ن! حو أهدافها . وفي أيام الأزمات ، وفي مراحل الانتقال ، وفي كل مناسبة تمر أو خطوة يخطوها عبدالناصر، بل وفي مواجهة أي تغيير أو حدث في الوطن العربي أو العالم ، وأمام أية معركة تتفجر في أية ساحة من ساحات النضال العربي ، كانت جماهير الأمة تنتظر كلمة عبد الناصر والوقفة التي سيقفها والتوجه الذي سيتوجهه.
إننا إذا ما جئنا نحاول اليوم استعراض الفكر السياسي لعبد الناصر في مساره الاستراتيجي والتاريخي وفي مسار ممارساته وتجربته، واستكشاف مراميه وأبعاده ، لوجدنا أمامنا بالدرجة الأولى ما فاضت به خطبه في مختلف المناسبات ، بل وكثيراً ما كان يبتكر المناسبة في زحمة الأحداث ، ليخاطب وعي جماهير الأمة وليعلن موقفه أمام العالم . ثم إلى جانب تلك المجموعة الغنية من الخطب الجماهيرية، أحاديثه وندواته الصحفية ، وجلسات الحوار والنقاش التي أدارها في إطار اللجان والمنظمات والقيادات السياسية والشعبية ورسائله، وما تناقله عنه من التقوا به ومن عايشوه وعاشوا تجربته عن قرب . فعبد الناصرلم يترك لنا كتباً ولا مؤلفات ، في مواضيع فكره ومنظوره ، وما كان ذلك ممكناً ولا مطلوباً منه من حيت دوره وموقعه، ولقد قالها مرة . " لو قعدت أؤلف كتاباً عن منظورنا للثورة أو عن نظرية الثورة ، لما قمنا بالثورة … " . فهولم يترك من مؤلفات إلا ذلك الكتيب الصغير " فلسفة الثورة "، الذي كتبه في فواصل متقطعة عام 1953، بل قطعته الأحداث ، كما يذكر في الكتاب ، ثلاثة أشهر قبل أن يعود لكتابة فصله الأخير، وهو ما كتبه في حينه إلا ليؤكد في ! وجه الآخرين من نقاده ومعارضيه، أنه لا يمضي على طريق ممارسته الثورية من تجريبية أو ممارسات تكتيكية صرفة، وإنما من خلال استيعاب تاريخي ومن منطلق ثوري أصيل ومبدئي، ومن منظور استراتيجي مستقبلي وبعيد المدى ... وكتاب " فلسفة الثورة " ، جاء والثورة في مرحلتها الأولى ، بل وقبل أن تصل القوى المتحالفة ( وعلى صعيد ضباط الجيش أولاً ومن ثم على صعيد المجتمع أيضاً من خلال الانتماءات الطبقية والفكرية والصلات الحزبية والسياسية لضباط الجيش)، لحسم في مواقفها ولصياغة التكوين الأول والثابت لنظامها. وما تركيزنا على معطيات كتاب " فلسفة الثورة "، وهو لا يحمل فلسفة ولا ثروة أيديولوجية وفكرية كبيرة، إلا من خلال واقع، وهو أن هذا الكتاب جاء يحمل دليلا على أن البرنامج الثوري الضمني لعبدالناصر كان متقدماً- ومن حيث استيعابه الثوري والتاريخي- على جميع العناصر والقوى المتحالفة معه (على يمينه أو على يساره أو محسوبة كذلك). ومن خلال هذا الاستيعاب استطاع أن يحسم في " أزمة مارس عام 54 " ، وأن يمسك بزمام السلطة على أساس برنامجه هو، وأن يسقط بقايا النظام القديم ، وأن يسقط معه بعضاً من حلفائه المتخلفين ، وأن يمضي ! على طريق الثورة، وكذلك كان شأن عبدالناصر بعد ذلك ، وفي كل طور من أطوار صعوده الثوري .
ولكن الوثيقة التي صاغها فكر عبد الناصر السياسي والثوري ، تلك الوثيقة التاريخية التي ما إن وصل إليها حتى ظل ممسكاً بها حتى النهاية، فهي " الميثاق الوطني " الذي قدمه عام 1962، والذي اعتبره وظل يعتبره تلخيصاً لتجربته الثورية في النضال والحكم بعد عشر سنوات من الممارسة، ومن التعلم من ( تجربة الخطأ والصواب) ، ومن أطوار الانتقال . ولقد قدمه دليلا للعمل لمرحلة أساسية من مراحل " التغيير الثوري " ، لثورته الوطنية الديمقراطية، وهي المرحلة التي اعتبر فيها أن عملية الثورة الوطنية وما أنجزته من مهمات ، وأن تجربة العمل الوحدوي وما كشفته من ثغرات وما وضعته من عثرات على طريق امتداد الثورة في بعدها الأفقي وإطارها القومي ، لا بد أن تدفع بالثورة على طريق الحسم لتمد جذورها عميقة ، وتأخذ مضامينها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية كاملة، أي لأن تنتقل إلى طور الثورة الكاملة ، وأن تبدأ ببناء نموذج عربي للثورة الاشتراكية .
وما بين " فلسفة الثورة " و " ميثاق العمل الوطني "، أعطى الفكر السياسي لعبد الناصر الكثير من الشروح ومن التوضيحات والتفاصيل ، واستقر عند " الميثاق " لا لأن ذلك الميثاق كان يجسد غاية ما يفكر به ويتطلع إليه فهو ما كان بنظره إلا دليل عمل مرحلي ، بانتظار أن تقدم الممارسة، وأن يقدّم الجيل الجديد للثورة ، صياغة أيديولوجية أكثر وضوحاً وحسماً ، وصيغة ديمقراطية أكثر حرية وأكثر تقدماً ... وكان تقديره، كما أشار في عدد من المرات إلى أن الخطة الثورية التي يرسم معالمها الميثاق هي لمرحلة تبقى في حدود السنوات العشر. وإذا ما أثبتت مجريات الأمور أن الميثاق حمل تفاؤلاً أكثر مما يقدم الواقع ، وواقع ما بناه عبد الناصر بالذات ، فإن العودة إلى وثائق الفترة التي قدم فيها عبد الناصر الميثاق ، وما دار من مناقشات تمهيداً له أو بصدده ، بين مجموع القيادات السياسية والثقافية المصرية في ذلك الحين ، أو ما وجه إليه بعد إعلانه ، من انتقادات في أوساط اليسار العربي ، وبعد كل ما وصف به من قبل البعض بأنه تعبير عن فكر وسطي وغير حاسم في ثوريته، أو بأن يظل " تعبيراً عن فكر بورجوازي صغير " ، فذلك على أن عبد الناصر كا! ن الأكثر تقدماً في مرحلته، وظل تعبيراً عن أن عبد الناصر وبرنامج عبد الناصر، متقدم على المعطيات الأيديولوجية والسياسية للقوى المحيطة به والمتحالفة معها جميعها... وفي هذا كله الدليل على " الإرادية " الثورية لعبد الناصر، أي أن تصميمه وتفكيره كانا يذهبان إلى قدرته- من حيث دوره السلطوي وإمساكه بزمام الدولة ومن حيث دوره الجماهيري التحريضي والثوري الدافع بوعيها ونضالها إلى أمام- على أن يختصر الزمن وأن يحقق ضرباً من النقلة النوعية أو الطفرة التاريخية .
إن استكشاف فكر عبد الناصر السياسي في مساره العام ليس بالأمر الصعب ، فلقد كان في أكثر الأحوال فكراً مبسطاً لا لبس فيه ولا تعقيد ، بل كان يأتي دائماً في المستوى الذي يعيه ويستوعبه الناس جميعاً . إلا أنه يظل في مجمله فكراً يصعب حصره وتصنيفه مباشرة ضمن المعايير الأيديولوجية المأخوذ بها في تصنيف الأفكار السياسية وتصنيف النظم التي تقوم على أساس من هذه الأفكار، وتصنيف الثورة ومراحلها . فثورة عبد الناصر كانت الثورة المستمرة المتداخلة المراحل والمتعددة البرامج والمهمات ، وفكر عبد الناصر السياسي ذاته كان حركة نضج تتقدم باستمرار ، وليس من خلال التعلم من التجربة والمعاناة فحسب ، بل ومن خلال جهد دائب في التثقف والتعلم والمتابعة والإطلاع . وهو إذ لم يجد حركة نهوض فكري ثوري صحيح من حوله ، ولا من يقدم المستند الأيديولوجي الذي يحتاجه في توجيه عملية التغيير الثوري أو يطابق خصوصية المرحلة وما تحتاجه حركة الانتقال من ذلك " التخلف المريع " الذي ألقى بأثقاله على واقع الأمة ، إلى مستوى العصر ومنجزاته العلمية والثقافية ومتغيراته الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة ... وإذا لم يجد أمامه إلا مقولات عام! ة وعموميات، وشعارات وأحلام وأمنيات ، فلقد وجد نفسه مطالباً أيضاً بتكوين وعيه الثوري الذاتي وأيديولوجيته الخاصة . وهذا المخاض من الوعي والنضج كانت له جدليته أيضاً في تعامله مع حركة الأحداث وحركة الممارسة، وهذا ما لم يقدمه لنا عبدالناصر كتابة أو خطابة، إلا في القليل، بل كان يقدم أمامنا محصلة ذلك ، في النقلات التي كان يتنقلها بممارسته ، كما يقدمها لنا في مقولاتها العامة كما استخلصها ، ونجدها أمامنا ناظمة لحركته ومساره... ومن هنا يأتي الاختلاف في الأحكام التي كانت وما زالت تطلق، على الصيغة الأيديولوجية، أو الخلفية النظرية التي يتوجه منها عبدالناصر في مساره العام ، أو في كل مرحلة من مراحل ثورته.
إن تمثل عبدالناصر للفكر القومي العربي الأكثر تقدماً ، كان محصلة راهنة ومجسدة أمامنا ، في مواقف عبدالناصر النضالية وفي أقواله وممارساته، ولكن إذا كان المحك في الموقف الأيديولوجي، هو النظرة الاجتماعية والاقتصادية أيضاً ، فلقد كان ذلك موضوعاً لتساؤلاتنا واهتماماتنا ونحن ندفع ونندفع إلى الوحدة. وفي لقاء جرى في خريف عام 57 مع الأستاذين عفلق والبيطار، في إطار المكتب السياسي لحزب البعث وكانا عائدين لتوّهما ( أو وا حد منهما) من القاهرة ومن محاورات دارت مع عبد الناصر، تساءلنا إلى أين يمضي عبد الناصر من الناحية الاجتماعية - الاقتصادية . وما هو موقفه الاشتراكى أو موقفه من الاشتراكية . وأفاض الأستاذان في الحديث عن شخصية عبد الناصر وأفكاره ، وقالا: إننا وعبد الناصر على لقاء تام من حيث الفكر القومي ممارسة ونضالاً ومن حيث التوجه الوحدوي استراتيجية وإطاراً ، أما من حيث التوجه الا جتماعى- الاقتصادي ، فعبد الناصر آخذ بطريق الاقتصاد الموجه ولكن همه وشاغله الكبير اليوم يتجه إلى خطط التنمية والتخطيط الاقتصادي الذي يركز على التصنيع وبناء القاعدة الصناعية الأساسية للتقدم ، وهو يريد أن يعرف وأن يتث! قف ويطلع . لقد عرفنا أنه منكب الآن على دراسة علم الاقتصاد السياسى ، وهناك مجموعة من حوله مكلفة بأن تجمع له المصادر وأن تلخص أمهات الكتب في هذا المجال . ثم إن من الواضح انفتاحه لمعرفة تجارب التطبيق الاشتراكي وللتأثر بالفكر الاشتراكي العلمي وبخاصة من خلال صلاته واحتكاكاته بقيادة دول " عدم الانحياز " والكثير منهم ماركسيون أو من المتأثرين بالفكر الماركسي . وذكروا أن عبد الناصر قال لهم بأنه لا بد وأن يسير بنهجه وتخطيطه الاقتصادي ، على طريق التحويل الاشتراكى على مراحل وأنه إذا ما أعلنها في البداية اشتراكية- تعاونية ديمقراطية ، فإن الأمور ستتوضح اكثر في المستقبل وستأخذ طريقها المحدد.
إن السؤال الذي نطرحه على أنفسنا والذي نحاول، بهذا الجهد الذي نبذله في مراجعة تجربة عبدالناصر من جديد وفي استجلاء مسار فكره ، أن نجيب عليه ولو في قليل ، هو السؤال التالي : هل يمكن أن تقدم لنا تجربة عبدالناصر واستراتيجية عمله وممارساته، وميثاقه ومواقفه وآثاره ، قاعدة ومنطلقات لصياغة أيديولوجية مطابقة لواقعنا، أي نظرية ومنظور يدلان إلى استراتيجية في التغيير الثوري العربي ، للخروج من هذا الواقع وللمضي على طريق تحقيق أهداف الأمة؟
ذلك هو السؤال ، ولنعد إلى عبدالناصر وفكره وكلماته، ولعل الاستشهاد هنا ببعض من كلماته تحرض الذهن، وتقدم الدليل على ما كان عليه حسه الجماهيري والحس التاريخي والإحساس بنبض حياة الأمة، وما كان عليه تصميمه الثوري . ولنقف عند لحظة من تلك اللحظات التاريخية التي مر بها عبد الناصر بعد أزمة " الانفصال " مباشرة ، ووقف ليؤكد تصميمه الثوري وليدفع على طريق الثورة الكلية أو الشاملة.
قال عبد الناصر في خطاب له في 16 تشرين أول (أكتوبر) عام 1961 موجّه إلى جماهير الأمة : " لقد دقت الساعة التي يتحتم فيها على كل مواطن أن ينتبه لما يجري من حوله على امتداد الأرض العربية كلها، فنحن الآن على نقطة من نقاط التاريخ الحاسمة في مصير الأمم ... وليس أمامنا غير أحد موقفين : أولهما- أن تخدعنا الأمور فنقف جامدين لا نتحرك ... أو تفلت منا حركة عصبية على غير هدى، ومن ثم نفقد إحساسنا بالزمان والمكان ، ويضيع منا الاتجاه الصحيح ... وثانيهما أن نعي حقائق الأمور، وأن نمضي في حركتنا بقوة أكثر واندفاع أشد في طريق واضح نعرف أهدافنا عليه... واصلين بالمقدمات إلى نهاياتها الصحيحة... مهما كانت التضحيات ومهما طال المدى ... لقد قضيت الأيام الأخيرة كلها أفكر وكنت بمشاعري مع شعبنا العظيم في كل مكان ، في القرى وفي المصانع ، في الجامعات وفي المعامل ، في المواقع الأمامية في خط النار المواجه للعدو مع جنودنا، وفي البيوت الصغيرة المضيئة بالأمل في مستقبل أفضل وكنت مع هؤلاء جميعاً ، مع الفلاحين والعمال والمثقفين والضباط والجنود، أحاول أن أتحسس مشاعرهم وأن أتفاعل بفكري مع فكرهم . كانت أصابعى على نبض ه! ذه الأمة... وكانت أذناي على دقات قلبها... كنت أريد أن يكون اختياري صدى لاختيارها، وكنت أريد أن يكون موقفى تعبيراً عن ضميرها ... وكان قراري وكان اختياري : أن طريق الثورة هو طريقنا، أن الاندفاع بكل طاقة إلى العمل الثوري هو المفتاح الوحيد لكل مطالب نضالها الشعبي، وهو الوفاء الأمين بكل احتياجات جماهيرنا المؤمنة المصممة على الحرية بكل صورها الاجتماعية والسياسية " .
ومضى عبد الناصر في خطابه هذا يؤكد النقلة النوعية على طريق التحويل الاشتراكي نحو تكامل الثورة وشموليتها، بعد عملية نقد ذاتي لنظامه في مساره الماضي ومسار تجربة الوحدة ، وأنهى خطبته بهذه الكلمات التي تعبر عن واقعه وعن التزامه المصيري : " لقد أعطيت لهذه الثورة عمري . وسيبقى لهذه الثورة عمري ... لقد أعطتني هذه الأمة من تأييدها ما لم يكن يخطر بأحلامي وليس عندي ما أعطيه لها غيركل قطرة من دمي " .
لقد أعطى الثورة دمه، ولكنه أعطاها أيضاً فكره وإرادته.
ثم لنعد إلى كلمة النهاية التي قالها عبد الناصر: " النصر عمل ... وكل شيء يبدأ بالإنسان " . ونبدأ بفكر عبد الناصر الإنسان وإيمانه، إيمانه بالله ، والإيمان بالوطن والوطنية، والإيمان بالعروبة ووحدة الأمة مصيراً وغاية، والإيمان بالتقدم الإنساني والتحرر والثورة، والإيمان بقضية الجماهير المسحوقة وحقها في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة ، من إيمان ينيره الفهم والممارسة والعقلانية، ليصوغ التوجه العام لفكر عبد الناصر ولتجربته السياسية والنضالية.
ومثل هذا الإيمان للانسان ، أي مجمل القناعات التي تترسخ في منحى تفكيره وحياته ، هو الذي يصوغ توجهه الايديولوجي العام ، في مواجهة المسائل التي تطرحها عليه تجربة الحياة التي يخوضها، والإجابات التي يقدمها، وهي التي تحدد منحى مواقفه وتوجهاته، أي هي التي توجه في النهاية سياساته.
وإذا كان تقدم العمل على التخطيط النظري ، وتقدم الممارسة على التوضيح الأيديولوجي، هما اللذان حكما المسار العام لتجربة عبد الناصر، فإن ممارسته السياسية والنضالية، كانت تستهدي ومنذ بداياتها، بقناعات ومنطلقات أساسية صاغتها الحياة في نفسه وصاغتها ثقافة البيئة الي نشأ فيها، ومنبته الطبقي والاجتماعي، والمرحلة التى كان يمر بها مجتمعه من مراحل التطور التاريخي في معطياتها المادية والروحية. ولكن عبد الناصر كان ومنذ بدايات تجربته أيضاً منفتحاً على روح أبعاد التقدم التي بلغتها الدول المتقدمة ومنفتحاً على روح العصر، وبهذا الانفتاح كان مدركاً لحالة التأخر التي يعيشها مجتمعه، وجاء يحمل هذا النزوع الثوري للتغيير والدفع بحركة التقدم إلى أقصى ما يطيق مجتمعه وقواه النضالية...
إن مبدأ التعلم من التجربة الذي كان يؤكده عبدالناصر، واستخلاص النتائج بالتعلم من تجربة الخطأ والصواب، في سبيل إنضاج حركته الثورية، والتقدم بفكره وتخطيطه للمستقبل ... إن هذا المبدأ وقد وقف الكثيرون عنده في التعليق على مسار فكر عبدالناصر السياسي ليصفوه بالبرغماتية أو التجريبية، لا يجوز الوقوف به عند هذا الخط من التجربة في الوصف ، وليس من تجربة إلا ووراءها حوافز وأفكار. وممارسة عبد الناصر، لا نستطيع أن نفهمها ونفهم عمقها وأبعادها، إلا عندما نفهم الخلفية الأخلاقية والفكرية التي كان ينطلق منها عبد الناصر. فالتعلم من تجربة الخطأ والصواب لم يأت في سياق عفوي أو من منطلق تكتيكي صرف ، بل كانت تحكمه معايير ومقاييس أساسية انطلق منها عبدالناصر، وهي التي كانت تحدد قيمة الخطأ وقيمة الصواب في مسار الممارسة . وإن أي ناقد منصف، إذا ما حاول الإطلال على مسار تجربة عبدالناصرفي مراحلها كلها ، فإنه لا يجد فيها الا ما رسمته على أرض الوا قع من جدلية الممارسة ، أي الممارسة الثورية التي تملك حس التاريخ ومراحل تطوره، والتي تنطلق من معايير أساسية وتتوجه إلى أهداف تندرج في سياقها التاريخي ، وكأنها الحتمية! التي يرسمها منطق التطور وحرارة الحياة .
إن الذين نقدوا فكر عبدالناصر وعارضوه ، أو الذين انتصروا له واخذوا به، كثيراً ما أصدروا أحكامهم على منحاه الأيديولوجي العام بالوقوف به عند نقطة معينة أو مرحلة محددة من مراحل نضجه، أو هم اخذوا به في جانب من جوانبه دون الإحاطة به في كليته ومسار نضجه ، أو هم وضعوا فيه منظورهم الخاص وقناعاتهم االمسبقة... فالبعض مثلاً لم يجدوا فيه إلا فكراً تقليدياً تأثر بعض الشيء " بالفكر التاريخي والمنظور الماركسي للاشتراكية " والبعض قالوا إن أيديولوجيته هي أيديولوجية طبقته البورجوازية الصغيرة في تأرجحها الفكري ونهجها التجريبي والتكتيكي ، بينما وجد فيها البعض الآخر، ومنذ بداياته، الثورية الكلية والكاملة. بعضهم وقف عند نهجه الأول في صياغة الدولة وعلاقتها بالمجتمع وقواه الاجتماعية والبعض مضوا معه إلى النهاية ليجدوه وقد أخذ بالمنهج الاشتراكي العلمي الكامل لصياغة الدولة والمجتمع . وبعضهم ومن خلال موقف معاد أو مؤيد في مرحلة، كان يمسك بكلمة يقولها عبدالناصر أو فكرة يطلقها في خطاب ، ليصدر من خلالها حكماً على الخلفية الأيديولوجية التي يتوجه منها عبدالناصر، فلقد رأينا مثلاً عدداً من المزايدين على عبد! الناصر باليسارية والثورية يقفون عند كلمة قالها في خطبة له وقف يشرح فيها ظروف هزيمة حزيران (يونيه) ووقائعها إذ قال: "ولا ينجي حذر من قدر "، ليمسكوا بهذه الكلمة وحدها وليعلقوا ويحكموا على تفكير عبد الناصر، بالغيبية والقدرية... واللاعلمية..
هذا بالنسبة لبعض ناقديه والمزايدين بالثورية، أما بالنسبة للمنتسبين لعبد الناصر وفكره، فإن بعضاً من المجموعات التي تشكلت تحت عنوان " الناصرية " والالتزام بنهجها ، لم يأخذوا منها إلا الجانب الذي يلائم مصالحهم ووضعهم السياسي والطبقي المحافظ أو البورجوازي ، ووقفوا بها أيضاً عند مرحلة من مراحلها أو وقفة من وقفاتها ، وظلوا يخافون من كلمة طبقة وصراع طبقي ، ومن كلمة حزب سياسي أو ثوري ، بل ومن كلمة " الاشتراكية العلمية " تخصيصاً ، وظلوا يقولون باشتراكية عبد الناصر من غير اشتراكية وبرفض مقولة الصراع الطبقي وبرفض الحزبية والتنظيم الحزبي ، لينتهوا إلى تفريغ الناصرية من كل مضمون ديمقراطي وتاريخي وثوري .
ذلك أن فكر عبدالناصر الأيديولوجي يستعصي على التصنيفات الأيديولوجية التقليدية، وهو لا يدرك إلا في إطار جدليته الخاصة ومسار تشكله من البداية حتى النهاية، إذ أنه فكر الثورة وهي تتشكل منتقلة من مرحلة إلى مرحلة ومتدرجة من إنجاز إلى إنجاز ، وهو فكر الثورة وهي تتجاوز نفسها باستمرار إلى الأمام . وإذا كان هناك من تصنيف ينطبق عليها، فهو ما يسميه بعض المفكرين الماركسيين بالثورة المستمرة " فهي الثورة " الوطنية الديمقراطية المصرية المتعددة المهمات ، المتداخلة المراحل ، الآخذة ببعدها القومي العربي إطاراً وهدفاً وحدوياً ، المتوجهة باتجاه الاشتراكية عمقاً ومضموناً ... وفكرها إذا ما بدأ من الفكر الوطني الليبرالي يضاف له تأثره على نحو ما ببيئته الثقافية الخاصة وما تأصل فيها من قيم دينية وأخلاقية ، فلقد تقدم منفتحاً على الفكر القومي العربي متمثلاً له ودافعاً بآماله نحو التقدم والمستقبل لا السلفية والماضي ، وتقدم منفتحاً على الفكر التحرري الإنساني والاشتراكي منه بوجه خاص . وتقدم فكر عبد الناصر كان مرتبطاً بتقدم تجربته وممارسته ، ولكنه كان محكوماً بواقع عبد الناصر السياسي ومسؤولياته منذ بداية تج! ربته ، ولذا فإنه وفي كل مرحلة وفي كل نقلة ينتقلها إلى الأمام، لم يكن يعطى أبعاده القصوى نظرته الشمولية، وكأن تلك المسؤوليات كانت قيداً عليه وتطالبه بالوقوف عند حد معين من الالتزام الأيديولوجى .
ولنعد هنا الى مقتطفات من كلام عبدالناصر عن تشكل تطلعاته الثورية وثوريته في حديث مطوّل أدلى به في حزيران (يونيه) عام 1962 (أي في مرحلة اعلان الميثاق الوطني) لمورغان مندوب صحيفة الصنداي تايمس الانكليزية، قال : " كثيراً ما سئلت هذا السؤال : متى أصبحت ثورياً لأول مرة؟ وهو سؤال تستحيل الاجابة عليه، فهذا الشعور أملته ظروف تكويني وتنشئتي وغذاه شعور عام بالسخط والتحدي اجتاح كل ابناء جيلي في المدارس والجامعات، ثم انتقل الى القوات المسلحة... ". " إنني الإبن الاكبر لأسرة مصرية من الطبقة المتوسطة الصغيرة وقد كان أبي موظفاً صغيراً في مصلحة البريد يبلغ مرتبه الشهري نحو عشرين جنيهاً ، وهو مرتب يكفي بصعوبة لسد ضرورات الحياة ... وكان أبي قلقاً بسبب آرائي السياسية حتى في أيام التلمذة ، فقد سجن أخوه أيام الحرب العالمية الأولى بتهمة الاثارة السياسية.. ولكنني بعد اشتراكي في المظاهرة السياسية الأولى دخلت الميدان بكل جوارحي وأصبحت رئيس لجنة لتنظيم المقاومة ولا سيما مقاومة السيطرة الساخطة . ولقد كان ذلك متنفساً لا بد منه لعواطفنا الحادة ولشعورنا بالكبت الذي يضغط على وطننا ... في سنوات التكوين هذه ش! غلت اهتمامي كل الأحزاب السياسية التي كان هدفها الأول أن ترد إلى الشعب حريته. وقد انضممت مدة عامين بعد مظاهرة الاسكندرية الى جماعة مصر الفتاة ولكن تركتها بعد أن اكتشفت أنها رغم دعواها العالية لا تحقق شيئاً واضحاً . وقد فوتحت في عدة مناسبات للانضمام للحزب الشيوعي لكني رغم دراستي للمذهب الماركسي وكتابات لينين وجدت أمامى عقبتين أساسيتين ، عقبتين كنت أعلم أن لا سبيل للتغلب عليهما- الأولى هي ان الشيوعية في جوهرها ملحدة - وقد كنت دائماً مسلماً صادقاً أؤمن إيماناً لا يتزعزع بوجود قوة فوق البشر ... أما العقبة الثانية فهى أني أدركت أن الشيوعية معناها بالضرورة سيطرة من نوع ما من الأحزاب الشيوعية العالمية- وهذا ما كنت أرفضه رفضاً باتاً - وقد كان كفاحي وكفاح زملائي طويلا وشاقاً لانتزاع السلطة من الطبقات الاقطاعية ولتحطيم السيطرة الأجنبية على مصر ولتحقق بلادنا الاستقلال الصادق الذي كانت تحتاج اليه احتياجها الى أنفاس الحياة . وعلى هذا فلقد كان مجرد الظل لسيطرة أجنبية أمراً لا استطيع أن أقبله . وقد كانت لي اتصالات متعددة بالأخوان المسلمين ... وهنا أيضاً وجدت أمامي صعوبات دينية، فقد كان في! تصرف الأخوان المسلمين ضرب من التعصب الديني وما كنت لأرضى بانكار عقيدت ي أو بأن تحكم بلادي طائفة متعصبة. وكنت واثقاً من أن التسامح الديني لا بد وأن يكون ركناً أساسياً من أركان المجتمع الجديد الذي كنت أرجو أن أراه قائماً في بلادي . وتبلورت مشروعاتي لمستقبلي بعد عقد المعاهدة المصرية الانجليزية عام 1936 التي نجم عنها أن حكومة الوفد أصدرت مرسوماً يقضي بفتح الكلية الحربية للشبان بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم ... فالتحقت بالجيش بعد أن كنت أدرس في كلية الحقوق ... كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل - وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على حاله- أما بعد ذلك فقد بدأت تدخله طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون الى مستقبلهم في الجيش بوصفه مجرد جزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم ... ثم كانت ظروف الحرب العالمية الثانية وفي هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في نفسي رسوخاً تاماً ، أما السبيل الى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة وكنت يومئذ لا أزال أتلمس طريقي إلى ذلك ... " ( وبعد الكلام عن أثر حوادث فبراير ( شباط) في نفس عام 1942 حين تدخل جيش الاستعمار البريطاني مباشرة ليفرض التغيير الوزاري الذي يريده) قال: " وبالنسبة لي- كان عام 1945 أ! كثر من عام انتهاء الحرب - فقد شهد العام بداية حركة الضباط الأحرار.. وقد ركزت حتى سنة 48 على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي- والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للاقدام على التغيير اللازم- وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء تحاول أن تخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفي خطة مشتركة- وكانت بي رغبة عارمة للمعرفة- فأقبلت على الاطلاع بنهم والتهمت كتب المفكرين من أمثال لاسكي ونهرو ، بل وأنيوزين بيغان ، وبدأت الأفكار الاشتراكية تتكون شيئا فشيئاً... ".
واذا كان من حوافز الثورة الاحساس بالمهانة الوطنية التي يلحقها الوجود الاستعماري البريطاني ، فلقد جاءت أحداث عام 48 وحرب فلسطين لتضيف حوافز جديدة ولتكشف أمام عبدالناصر الواقع العربي العام، واقع التأخر والتبعية وقال : " اتضح لي عندئذ أن المعركة الحقيقية هي بالفعل في مصر، فبينما كنت ورفاقي نحارب في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش ، ولقد كان من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد علي... وكان في نيتي أن نحاول القيام بثورتنا في سنة 1955- (لاستكمال التنظيم والتخطيط والاستعداد)- لكن الحوادث أملت علينا قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير... " .
وبعد أن استعرض عبدالناصر العوامل والظروف التي استعجلت حركة التغيير العسكري في 23 تموز (يوليو) قال : " نجحت الثورة لكننا لم نكن راغبين في الحكم مطلقاً ... كنا مصممين على محو كل أثر للسيطرة الأجنبية وعلى اجراء اصلاح زراعي حاسم لانهاء النظام الاقطاعي الذي اختفى من قبل في أوروبا منذ ثلاثمائة عام . وكنت أريد أن يضطلع بالمسؤولية حزب يمكن أن يؤتمن زعماؤه على العمل في الحدود التي تلهمها روح الثورة . وفي بداية الأمر صفقت كل الأحزاب وهللت ، وتصور كل من الوفد والأخوان المسلمين والشيوعيين أن الثورة لهم . فقد كانوا يحسبون من اليسير عليهم تشكيل جماعة من الجيش المتحمسين بما يتفق مع منهجهم . ولكنهم عجزوا عن ادراك ما يكمن وراء الثورة من قوة في الهدف... وهكذا حملنا المسؤولية على عاتقنا والأسف يملأ قلوبنا ، ولقد كان عملي يسيطر على حياتي فقلما وجدت الوقت لشيء آخر غير العمل ... وسرعان ما اكتشفت أن حكم بلد من البلاد يختلف اختلافاً عظيما عن قيادة كتيبة من الجنود، ومع ذلك فقد كانت هناك وجوه مشتركة بينهما، فقد عرفت في مرحلة باكرة جداً ضرورة التخطيط ، فالاصلاحات التي أردنا ادخالها كان لا بد من تنفيذ! ها على أساس المخطط الطويل الأجل . ولقد شغل التخطيط بالي في هذه المرحلة ، ورحت أتحدث عنه الى كل من تتيح لي الظروف فرصة أن ألتقي به ، وتكون لديه فكرة عنه أو تجربة . واني لأذكر أن موضوع التخطيط كان أول حديث طويل بين البانديت نهرو وبيني ... ولم أكن أستطيع أن أعتبر نفسي خبيراً ، كما أنه لم يكن تحت تصرفنا الا عدد قليل من الخبراء ولا سيما في المجال الاقتصادي- وهو مجال ذو أهمية حيوية- فالخبراء رغم كل شيء قد يكونون في بعض الأحيان عبئاً ، أكثر منهم عاملاً مساعداً ، فلقد يكونون متحجرين فيما ألفوه من أساليب ولهذا فاني أفضل المفكرين على الخبراء . ان التفكير يجب أن يرسم الاطار العام للحركة أولا ثم يجيء دور الخبرة في خدمة الاطار العام ... " .
وعلى سؤال وجهه مورغان عما اذا كانت الأفكار التي ظهرت في كتاب " فلسفة الثورة " ما زالت تعبر عن آراء عبدالناصر وسياسته، أجاب : " ربما كان مرور عشر سنوات على قيام الثورة مرحلة مناسبة لننظر الى الوراء فنرى الطريق الذي قطعناه ، وننظر الى المستقبل لنبصر طريقنا الى الأمام ... وفي هذا أقول : إن الاهداف والمعتقدات الأساسية التي بينتها في كتابي " فلسفة الثورة " لا تزال ثابتة... ففي كتابي الصغير هذا تحدثت عن الدوائر الثلاث التي تتداخل في حياتنا ألا وهي : الوحدة العربية- التعاون الاسلامي- والتضامن الافريقي . وليس بين هذه الدوائر تعارض من أي نوع كان . فنحن أولاً وقبل كل شيء أمة عربية، ولذا فان الوحدة العربية في مقدمة ما نفكر فيه... ومن الواضح أن الوحدة السياسية التامة لا يمكن فرضها وانما هي الفكرة وأول ما يمهد لهذا الاجماع هو وحدة في الفكر، ولهذا فان أول ما نحاول ايجاده هو وحدة في التفكير بين الشعوب العربية حتى يمكن تحقيق الوحدة فيما بعد بالارادة التلقائية عند أبناء هذه الشعوب . ولا بد أن تترك المجال أمام كل بلد من هذه البلاد، وهى تتفاوت في كيانها من المجتمع الاقطاعي الى الدولة الاشتراكي! ة الحديثة ، لكى تخطو نحو التطور بحسب قدرتها. ولكن الاضطرابات والتقلبات الشديدة التي تجري في منطقة الشرق الاوسط انما مردها الى أن تطور هذه البلاد لا يمكن أن يتحقق ببطء فيستغرق القرون الطوال التي استغرقها في دول اوروبا الغربية فقوى الضغط الأيديولوجى اليوم أعنف ما يكون ... ".
وعلى سؤال مورغان حول ما إذا كان عبد الناصر. يعتقد أن " نظام الدولة الشمولية لازم في مرحلة التكوين التي تمر بها البلادالنامية " قال : " ... الاجابة على هذا السؤال تتوقف على المقصود بالدولة الشمولية. والذي لا شك فيه أن النظرية الغربية المألوفة في الديمقراطية ليست النظرة الوحيدة ولا المحتومة للديمقراطية ولقد قلت إن من المهم أن تربط تذكرة الانتخابات برغيف العيش، فان حرية التصويت يمكن التلاعب فيها مع رجل جائع . هذه كانت حقيقة الأحوال سنة 1952، فلو أنا أقمنا بعد الانقلاب مباشرة في تموز (يوليو) نظاماً على الطراز الغربي ، لأفضى ذلك الى انتخاب نوع من الحكومة الفاسدة لا تختلف في شيء عن الحكومة التي أزلناها ... فالسلطة كانت مرتكزة في يد طبقة واحدة تتمتع بالامتيازات.
كانت أول جوهريات الثورة اذن هي إزالة الحواجز بين الطبقات واعادة توزيع ثروة البلاد بطريقة أقرب الى العدالة ورد الحريات الأساسية للمصري العادي كحرية العمل والقوت ، وحرية تملك الأراضي التي يفلحها وكذلك حق حماية نفسه وأسرته وحق المشاركة في الثروة القومية والاشراف عليها وهي جميعاً حقوقا وحريات ساعدت على استرداد عزته وكرامته الشخصية، وهما حق طبيعي لكل إنسان . والأحزاب السياسية محظورة في مصر في الوقت الحاضر لأن بلادنا تجتاز ثورة شاملة تحتاج فيها الى وحدة قواها العاملة... لا أعرف متى تجد الأحزاب السياسية لنفسها مكاناً في حياة أمتنا من جديد، ونحن في سبيلنا الى وضع دستور جديد سوف يؤدي الى انشاء برلمان منتخب انتخاباً كاملاً... أما بالنسبة للمستقبل فان شعبنا لا يرضى بأي دكتاتورية من أي نوع كانت، فقد حطمنا الدكتاتورية السابقة التي كانت تفرضها الطبقات العليا في المجتمع . إن الشعب لمصمم بنفس القوة على أن لا تقع البلاد فريسة لأية دكتاتورية بديلة لها " .
ونقف عند هذا الحد من الحديث ، ولا نخوض في التعقيب عند هذه الوقفة على موضوع الديمقراطية، وكيف انكسرت الثورة بعد عبدالناصر وانكسر تصميم الجماهير، بحيث لم يتحقق الوعد الديمقراطى بل عادت لتتحكم الحكومات الفاسدة ودكتاتورية الفرد ودكتاتورية الطبقة ، فسيكون لذلك مجاله، فالذي أردناه من هذا الاسترسال مع أفكار عبدالناصر في هذا الحديث، هو اعطاء صورة عن مجمل العوامل والظروف التي أعطت آثارها في توجيه فكر عبدالناصر وتوجيه مساره.
لقد أثرت في التشكل الفكري والسياسي لعبد الناصر ثلاثة عوامل :
1- منبته الطبقى، فهو ابن أسرة برجوازية صغيرة متواضعة ، والبيئة الثقافية الأولى التي ترعرع فيها كانت بيئة محافظة ومتدينة ، كما كانت في الوقت ذاته بيئة وطنية تحمل في ذاكرتها الشعبية تراث النضال الوطني في سبيل التحرر والاستقلال . ثم كانت تربيته المدرسية في مرحلة بدأت فيها تحركات الطلبة تشكل ركيزة أساسية من ركائز النضال الوطني وتتعامل مع المناخ السياسي الوطني العام .
ولقد كان عبدالناصر مصرياً وعربياً أصيلاً ومن بني مر ، وإذا لم يكن لنا أن نقف عند ذكر هذه الأصالة فعبدالناصر لم يحمل في نهجه وفي تفكيره أي يوم شعوراً بالتمييز أو بالتمايز العنصري أو الطائفي أو الاقليمي بل على العكس فأصالته الثورية بالأساس هي أصالة الفكر والهدف والالتزام بقضايا الجماهير الكادحة والعريضة المتطلعة الى الاندماج الوطني والى التحرر الكلي ، ولكن تلك الأصالة الوطنية والقومية جعلته أيضاً منعتقاً بالطبيعة من أية عقد أو تعقيدات تحول دون اندفاعه للوحدة الوطنية والاندماج القومي بكليته...
2- تربيته وثقافته العسكرية، فهو ولو أنه انتسب للكلية الحربية في ظرف معين وبحافز وطني شدّه ورفاقه الى الجيش في سبيل استخدامه ثورياً للتغيير الوطني وللتحرر والتحرير، فلقد كان لتلك التربية والثقافة دورهما في تغذية ملكة التنظيم والتخطيط عنده ، انتقالا من الانضباط العسكري الى الانضباط الثوري بعد ذلك، والى الفكر الاستراتيجي وتكتيكاته، والى تحمل المسؤولية والاندفاع للفعل والتنفيذ .
3- ثم حكمت فكر عبدالناصر مسؤوليته في الحكم كرأس نظام ورئيس دولة، فتلك المسؤولية الأولى اذا ما وضعت بين يديه امكانيات كبرى استخدمها بروح ثورية في الدفع بحركة التجديد والتقدم والتغيير، فلقد كانت في الوقت ذاته ( وإذ بدأ الثورة من هذا الموقع ومن غير تكامل أيديولوجي ووضوح نظري مسبق) قيدأ على فكره، وخاصة أن المثقفين من حوله لم يعملوا شيئاً كثيراً في هذا المجال ، بل كانوا يتكلون عليه في الفكر والتنظير أيضاً وينتظرون ما يقدمه، وفي أكثر الأحوال كانوا متخلفين عنه وعما يقدمه وما كانوا يدفعون الى الأمام .
ولكن عبدالناصر جاء في مرحلة من المخاض الثوري الوطني والقومى والعالمي، وعاش تجربة ثورية حقة، وتوجه للتغيير المتواصل، وخاض صراعات قاسية ومتلاحقة في شتى الاتجاهات وفي مواجهة أصعب المعوقات وأشرس الأعداء . وعاش في مرحلة انتقال كبرى في حياة الأمم ، وهو في هذا المسار الصعب كان يحاول ان يتثقف دائماً وأن يجني مزيداً من المعرفة ، وجهد ما قدر على ذلك ، في أن يجمع ويؤلف بين شخصية القائد الثوري والمفكر السياسي ورجل الدولة القادر والمنفذ، بل ووظف امكانية الدولة ووسائل تثقيفها واعلامها ، في مساندته لتسهيل مهمة الاطلاع والتثقيف الدائب . فالعمل لتحقيق أهدافه السياسية، المرحلية منها والبعيدة ، كان يطالبه بالعودة الى انضاج فكره وتصوراته النظرية. وكان في هذا كله منفتحاً كل الانفتاح في اتجاهات عدة :
1- كان منفتحاً كل الانفتاح على حركة الجماهير، وعلى حركة تقدم وعيها السياسي والاجتماعي وتقدم نضالها وعطائها، فاعلاً فيها منفعلا بها ، ولقد وقفنا عند هذا الجانب من تجربة عبد الناصر الثورية كثيراً.
2- كان منفتحاً كل الانفتاح على تراث النضال الوطني المصري بكل معطياته الايجابية، وانعكاساته على الدولة والمجتمع، بل وعلى الجيش وعلى دور الجيش المصري في هذا التاريخ الوطني، وعلى حركات الاصلاح الديني والتحرر الاجتماعي والاستنارة بالغرب وتقدمه العلمي ، كما انفتح أيضاً على الفكر العربي القومي بكل معطياته الايجابية والمستقبلية وبكل مقدماته النضالية والوحدوية . لم يكن للقومية العربية حزبها في مصر عند الثورة وقبلها . فجاء عبدالناصر ليصبح حزبها والمساند لقواها النضالية كلها.
3- وكان منفتحاً كل الانفتاح للتقدم الانساني وللتفاعل مع روح العصر ومع الفكر التاريخي، وهذه نقطة سنقف عندها ونعود اليها بعد قليل لما لها من دلالة على عدد من المقومات في التوجه الأيديولوجي الضمني عند عبدالناصر الذي وضعه في النهاية على طريق الاشتراكية العلمية.
وحركة فكر عبدالناصر وجدلية تقدمه ونضجه قد واكبت مسار ثورته منذ أن صمم عام 53 على الامساك بقيادة هذه الثورة وأن لا يسلم الأمر لقيادة غيرها ترتد بها الى مواقع القوى والنظم السياسية السالفة. ومنذ أن صمم على مواصلة المسار بها كثورة تغيير سياسي واجتماعي معاً . وهذه الثورة اذا ما وصفناها مراراً ، بأنها أخذت دورها كاملأ كثورة " وطنية ديمقراطية ذات امتداد قومي وحدوي، وذات تطلع اشتراكى ينزع الى شمولية الثورة في بعدها التاريخى والانساني العام " .. واذا ما قلنا عنها أيضاً إنها ثورة متداخلة المراحل جدلية التطور، تاريخية المدلول والأهداف، فاننا ونحن نحاول الامساك بمسار تطورها، من حيث الفكر والممارسة، ومن حيث التقدم والانجاز، نجد أن هذه الثورة قد مرت بمرحلتين رئيسيتين في تطورها ونمائها . وعبدالناصر هو الذي أعطى لكل من المرحلتين تسميتها وأوصافها، كمرحلة سياسية للثورة أو ثورة سياسية ثم مرحلة الثورة الاجتماعية.
ففي المرحلة الأولى كانت الجهود مكرسة لانجاز مهمات التحرر الوطني بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولتصفية مرتكزات النظام القديم السياسية والطبقية وتصفية الوجود الاستعماري وكل ما زرع وخلف ، بل وتصفية القوى السياسية التي كان يرتكز عليها ذلك النظام أو تدور في اطار مرحلته. كما كان التوجه في الوقت ذاته الى تجديد بناء الدولة وترسيخ عملية قيام دولة عصرية حديثة "... التي لا تقوم بعد الديمقراطية، الا استناداً على العلم والتكنولوجيا... ". كما قال بعد ذلك في بيان 30 مارس ( آذار) ، وعلى التخطيط ، وعلى بناء وطن حر وشعب مندمج وطنياً ، وعلى بناء مقومات الشعور بالمواطنية حياتياً ومصلحياً ، والشعور بالمشاركة ووحدة المصير لدى أبناء الشعب الواحد، وفي بناء القاعدة الصناعية والانتاجية التي تساند هذا التطور على أساس من الاقتصاد الموجه الذي تمسك بزمام المبادرة فيه بالضرورة السلطة الوطنية... تلك كانت مرحلة السنوات العشر الأولى لحكم عبدالناصر، والتي كانت مرحلة الانتقال الاولى في ثورته، والتي سماها عبدالناصر بمرحلة التجريب وتبلور التجربة بالممارسة والتعلم من " الخطأ والصواب " كما يعطيان نت! ائجهما على أرض الواقع .
وفي تلك المرحلة، كانت المكتسبات التاريخية للفكر الليبرالي في مقولاته العامة وفى معطياته في بناء الدول القومية الحديثة في الغرب ، هي الموجه العام لممارسة عبدالناصر، بل إن أفكار الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي ، كالاصلاح الزراعي والقضاء على الاقطاع ، وتمصير المصالح الأجنبية، وتدخل الدولة في توجيه حركة الانتاج وبناء التراكم الرأسمالي للتصنيع وتحديث البناء الاقتصادي، ظلت موجهة بمعطيات الثورات الوطنية الليبرالية، ولو أن قيادة عبدالناصر و شخصيته ومعطيات بيئته الخاصة وثقافته، بما في ذلك الثقافة الوطنية والدينية أعطتها قدراً من الخصوصية . وكثيراً ما كررعبدالناصر: " إننا عملنا لنقطع في عشر سنوات ما قطعته الدول الأوروبية العصرية خلال ثلاثة قرون... "
أما المرحلة الثانية ، وهى المرحلة التي بدأت زمانياً باجراءات التأميم عام 61 وتأكدت فكرياً وعملياً عام 62 وتواصلت، فقد سادها التوجه الاشتراكى ومنظور " الاشتراكية العلمية " في التخطيط والبناء. وهى التي حسب عندها عبدالناصر أنه قد أنجز مهمات الثورة الوطنية الليبرالية ، وأصبحت ثورته في انجازاتها العامة، وبخاصة في التقدم بوعي الجماهير، قادرة على خوض غمار الثورة الاجتماعية، والدخول في طور الانتقال، وعن طريق التحويل الاشتراكي للدولة والمجتمع ، نحو الثورة الكاملة ، أي تكملة الثورة السياسية بالثورة الاشتراكية والوصول الى مجتمع الكفاية والعدل ، مجتمع الديمقراطية الاشتراكية ، مجتمع ا لحرية...
إنهما مرحلتان، ولكنهما من منظور تاريخي ومن خلال امساك قيادة واحدة بهما، تتطور معهما وتنتقل بخطواتهما وانجازاتهما، فلم يكن هناك من قطيعة أو انقطاع بين المرحلتين، فقد كانتا متداخلتين. فالمرحلة الأولى مضت وكأنها تحمل بذور المرحلة الثانية في طياتها ، والمرحلة التالية جاءت لتعطي وضوحاً وترسيخاً وامتداداً لمنطلقات أساسية كانت سبقتها، وهما تتجليان أمامنا في أنهما مرحلتان كان لا بد منهما في مسار تقدم المجتمع ثورياً وفي مسار التطور التاريخي العام للأمة ، ولتجعلا من ثورة عبد الناصر ثورة متكاملة، ولتصنعا وحدة هذه الثورة.
ولم يغير من طبيعة هذه الثورة ومسارها، تشابك المسألة الوطنية مع المسألة القومية، وطرح قضية الوحدة العربية عليها. فلقد جاءت الوحدة في المسار كأنها بعد من أبعاد الثورة، وضرورة لا بد منها لتكون للثورة خصوصيتها واطارها. ولقد كان لهذا البعد أيضاً بدايات منذ أن أخذت الثورة منطلقها كثورة تمسك بزمامها قيادة عبدالناصر. فهذا التشابك التاريخي والمصلحى والمصيري، ما لبث أن أصبح في سياسة عبدالناصر، استراتيجية عمل ونضال سواء في تأكيد وجود الأمة وتطلعها لاستكمال وجودها الذي لا يتم الا في منظور وحدوي وبالتطلع للوحدة ، أو في النضال التحرري للخلاص من التبعية والسيطرة الاجنبية، وللتصدي للأمبريالية والصهيونية، كما تأكد في تلك الخطوة الثورية الكبرى التي أعطت وحدة مصر وسورية عام 1958، بل وفي كل ما جاء من مشاركة لمصر عبدالناصر في حركات الثورة والنضال العربي التحرري في كل مكان من أرجاء الوطن العربي . فمن قبل الوحدة أرسلت مصر الثورة جيوشها الى سورية لتقف في وجه التهديد الامبريالي بالاخضاع والعدوان. كما أرسلت جيوشها انتصاراً لثورة اليمن ، ولقد ناصرت ثورة الجزائر بكل قواها ، بل إن حرب السويس
كانت في جانبها الفرنسي ثمناً لالتزام مصرعبدالناصر بثورة الجزائر، وكذلك ساندت تلك الثورة وأنجدتها للدفاع عن استقلالها عندما أخرجت الاستعمار من أرضها وأقامت حكمها الوطني .
وهكذا وكما قال عبدالناصر عن جدلية أهداف ثورته ، في الحرية والاشتراكية والوحدة بأنها " أهداف متكاملة تأخذ من بعضها وتعطي لبعضها ... ". كذلك فان فكره كان يتقدم جدلياً باتجاهها مثل جدلية العلاقة بين تلك الأهداف . وظل فكره يحمل معطيات الثورة الوطنية الليبرالية في بناء التحرر وبناء الدولة العصرية، وظل يحمل معطيات الفكر القومي والارتباط المصيري بقضية الأمة وتاريخها، وظل يحمل حافز الوحدة، كما تقدم ليأخذ بمعطيات الفكر الاشتراكى العلمى ، ولو أنه ظل في هذا المجال يقف عند عموميات ذلك الفكر التاريخي من غير صياغة أيديولوجية قاطعة . وكان يطالب بالتمهل ، كما عبر عن ذلك عام 64 في اجتماعه بأعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي حين قال : " إن مجتمعنا نفسه كان عبارة عن تناقضات اجتماعية وفكرية، ومن أجل ذلك فلا بد ان ندخل أبواب الفكر الاشتراكى بتمهل وبساطة... فاننا في مرحلة حساسة جداً وتلك هى مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية... وطالما أننا في مرحلة التحول والانتقال فسوف يوجد الفكر أثناء التطبيق ... الا ان الأساس قائم والسبيل محدد وسوف يزداد التعمق وسيزداد التفصيل كلما خطونا في طريق! نا الى الاشتراكية... " ، ولكن هذا الفكر الاشتراكى لدى عبدالناصر، وحتى في تمهله وبساطته، كان الأساس فيه قائماً ، وأخذ يرتكز على مقولات ثابتة ويتطلع الى أهداف محددة ، وعاد يلقى ضوءاً على المسار الثوري السابق وعلى بقية أهداف الثورة ، بحيث أصبح شرطاً من شروطها ، فالثورة الاجتماعية في صيغتها الاشتراكية العلمية اصبحت ضرورة من ضرورات الديمقراطية ولاستكمال مقومات الحرية، حرية الوطن وحرية المواطن ، وكما أصبحت ضرورة من ضرورات الوحدة أيضاً ، لتزيل التناقض الطبقي بين مصالح الحاكمين والمحكومين ، ولتزيل ما يشد الحاكمين الى الاقليمية والتبعية واللاوطنية، ولتأتي الوحدة عندها بالضرورة تعبيراً عن ارادة الجماهير العريضة وتحقيقاً لوحدة مصالحها ولوحدة التاريخ الذي تريد أن تصنعه، ولوحدة هدفها.
إننا، من هذه الاستطرادات كلها ، أردنا التأكيد على أن عبد الناصر كقائد ثوري حمل مسؤولياته كاملة، فكرأ وممارسة، قد وضع فكره وممارسته في سياق تاريخي من حيث الاستيعاب والتطور والنضج، وصولاً إلى الأخذ بالقواعد العامة لمنهج الفكر التاريخاني (كما يسميه البعض)، والذي يقدم محصلته التطبيقية، تحت عنوان " الاشتراكية العلمية "، وإلا فماذا يبقى المقصود بالفكر التاريخاني والفكر الاشتراكي العلمي، إلا أن يوضع نضال شعب من الشعوب، وأن يوضع تقدم مجتمع من المجتمعات وحركة تغييره الثوري، في سياق تاريخي هادف يدفع بتلك الحركة قدماً إلى الأمام؟
ولقد كان عبد الناصر كذلك ، أو هو أصبح في مساره كذلك، ولكن تبقى لتجربة عبدالناصر خصوصيتها، وفي هذا المجال أيضاً ، أي في مجال الفكر الاشتراكى العلمي . وتلك الخصوصية لا تقف عند مقولة عبد الناصر: إن الاشتراكية واحدة ولكن لنا طريقنا الخاصة في تطبيقها وفي تحقيق إنجازاتها وأهدافها، بل إن تلك الخصوصية التي علينا أن نستكشفها من خلال حركة فكر عبد الناصر وممارسته، تتعدى هذا، إلى الإطار الأيديولوجى العام للاشتراكية العلمية، فلقد حذف منها عبدالناصر وأضاف إليها، وهذا ما يمكن أن يلمس من نصوص " الميثاق الوطني " ، ومن كل شروح عبد الناصر له، وهذا ما يفسر لنا حذره من أن يوصف نهجه التاريخي، وأخذه بالاشتراكية العلمية، أخذاً بالماركسية ككل ، من حيث أن الماركسية (أو الماركسيات كما أشار...) كانت تقدم نفسها في صيغ كاملة وشبه مغلقة فلا تقبل الإضافة أو الحذف. وبهذا المعرض أي بمعرض الإضافة والحذف تأتي تلك الأفكار التي قالها عبدالناصر بصدد موقفه الحذر تجاه الأحزاب الشيوعية ، في مصر، وهي مسألة الانتماء القومي واستقلالية التنظيمات السياسية عن الارتباطات الخارجية ومسألة الموقف من الدين . ولكن هذه الخصوصي! ة في الإضافة والحذف ليست خصوصية تجربة عبد الناصر الثورية وحدها ، بل هي سبيل أية ثورة تريد أن تشق طريقها الخاصة بها، كما وأن مسائلها من المسائل التي أخذ يتمثلها تيار الفكر التاريخي الإنساني العام . ولكن خصوصية تجربة عبد الناصر، عند دور شخصيته التاريخية التي جاءت وكما لو أنها حاجة ضرورية من حاجات المرحلة التي تمر بها الأمة، كما تقف قبل ذلك وبعده على الدور التاريخي الأساسي والرئيسي لمصر والمجتمع المصري في حركة الثورة العربية، ثم خصوصية قضية القومية العربية المجسدة في هدف وحدة كيان الأمة وضرورة توحيد شعوبها وأوطانها.
تلك الخصوصية في أبعاد ثورة عبد الناصر، هي التي ظلت وستظل .. تطرح مسائلها بعد غياب عبد الناصر، وعلى كل الذين يقولون " بتكملة المشوار " ، ومواصلة مسار الثورة .
وإذا كان البديل لدور عبدالناصر، لم يعد من الممكن أن يكون دور شخصية تاريخية أو رجل تاريخي، فلقد كان لذلك مرحلته وجاء تلبية لها ، بل البديل الذي يجب أن يوجد هو الأداة المنظمة لحركة الثورة، أي حزبها أو جبهتها... كذلك فإن الدور الذي يطالب تاريخ الأمة وثورتها بأن يعود هو دور مصر، أي أن تستعيد مصر دورها النضالي القومي وكما كان لها في عهد عبد الناصر، وهو أن تقود قضية الوحدة القومية كنهج استراتيجى تصاغ على أساسه من جديد حركة الثورة وأداتها.
بقي ما يحسب سلباً على تجربة عبدالناصر، ولكأنه جانب من خصوصيتها، وما استبعاده إلا حذف من تلك الخصوصية وسلب منها، وهو قصور تلك التجربة عن استكمال الثورة الوطنية- في مرحلة الثورة السياسية- بإنجاز مهمات الديمقراطية السياسية، كما قصرت عن ذلك في طور الثورة الاجتماعية والسير على طريق التحويل الاشتراكى، كما عجزت عن أن تعزز لحمة الوحدة القومية به، عندما قامت وحدة مصر وسورية. ثم ما طرح على " الزعامة الفردية " لعبد الناصر، وعلى منهج الثورة في تخطي المراحل من مغريات دفعت في قليل أو كثير، على طريق شمولية الدولة وهيمنة أجهزتها وسلطاتها... وتلك مسائل كثيراً ما أخذت على التجربة والثغرات التي خلقتها . إلا أن من الحق أن نسوق هنا ملاحظة، وهي أن هذه المغريات أو التجاوزات ، قد دفعتها ، وعلى نطاق أوسع ، أكثر التجارب الثورية التي قامت في مناطق عديدة من العالم، لتصبح من المسائل التي يطرحها اليوم على نفسه الفكر الثوري العالمي ويطالب بإيجاد حل ديمقراطي لها. لكنها مسألة تظل تعترض طريقنا خاصة بعد كل ما طرأ وما أصاب حركة التقدم العربي من ترد بعد عبد الناصر، ليصبح حلها والإجابة عليها، ووضع ضمانات للديمقر! اطية، أساساً لا بد منه، مطلوباً في أية صياغة جديدة لفكر الثورة العربية ونهجها واستراتيجية سيرها.


يتبع


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال الأتاسي
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال الأتاسي:
محطات قومية مع الدكتور جمال الأتاسي - أحمد مظهر سعدو


تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية