Welcome to





صحف ومجلات

مواقع صديقة

المقالات

ثـــورة يولــــيو



الأرشيف

راسلنا

تسجيل
 

عبد الناصر والعالم
عبد الناصر والعالم
محمد حسنين هيكل

User Info
مرحبا, زائر
اسم المستخدم
كلمة المرور
(تسجيل)
عضوية:
الأخير: abanoub
جديد اليوم: 0
جديد بالأمس: 0
الكل: 237

المتصفحون الآن:
الزوار: 28
الأعضاء: 0
المجموع: 28

Who is Online
يوجد حاليا, 28 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

مواضيع مختارة

عماد الدين حسين
[ عماد الدين حسين ]

·هل تفاجأنا برشاوى اليونسكو؟! - عماد الدين حسين
·السبسى والشريعة.. والنساء - عماد الدين حسين
·هجرة المسيحيين من مصر! - عماد الدين حسين
·وزير الصحة.. ومجانية عبدالناصر - عماد الدين حسين
·قبل أن تضيع منا كل سيناء - عماد الدين حسين
·دموع الإخوان على المسيحيين! - عماد الدين حسين
·25 يناير.. من 1952 إلى 2011- عماد الدين حسين
·أخطأنا فى قرار الاستيطان - عماد الدين حسين
·عقلانية يحيى قلاش - عماد الدين حسين

تم استعراض
51282594
صفحة للعرض منذ April 2005

مبارك من المنصة الى الميدان
 مبارك من المنصة الى الميدان - محمد حسنين هيكل   
محمد حسنين هيكل 

 المنتدى

جمال عبد الناصر - اريك رولو
جمال عبد الناصر - اريك رولو

المشروع النهضوي العربي
المشروع النهضوي العربي - المؤتتمر القومي العربي

هكذا تحدثت تحية عبد الناصر
هكذا تحدثت تحية عبد الناصر

هيكل ودوره في حسم الخلافة السياسية لصالح السادات
حول أحداث مايو عام 1971 بدون اختصار - محمد فؤاد المغازي  

الحل الأوحد : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم - فؤاد الركابي


الأخوان وعبد الناصر
الإخوان وعبد الناصر - عبدالله إمام  

قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل
قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» - محمد حسنين هيكل

مذكرات الإعلامي حمدي قنديل
مذكرات الإعلامي حمدي قنديل

عبدالله السناوى.. «أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز»


  
إطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر 4 - جمال الأتاسي
Posted on 10-9-1428 هـ
Topic: جمال الأتاسي





4- الناصرية ومستقبليتها : الاقتناع والتجديد

هذه إطلالة عامة على التجربة الثورية لعبدالناصر في مسارها الاستراتيجي والتاريخي انطلقنا معها من بداياتها، ودخلنا في جدلية حركتها وتطورها ، وصولاً بها الى حيث توقف وغاب عبدالناصر، ومقصدنا لا مجرد انصافها فيما أعطت في مرحلتها بل أن نستخلص منها ما يساعدنا ، وما يعطينا ركائز نتوجه منها نحو المستقبل . ذلك أن قناعتنا، والتزامنا بقضية تحرر أمتنا وتقدمها ووحدتها التي هي بالأساس قضية عبدالناصر وأهداف ثورته ... هذه القناعة كانت - وهي اليوم تتأكد أكثر- وهي أن مرحلة عبدالناصر كانت مرحلة نهوض ثوري بالأمة ومع وعي جماهير الأمة ، بل تكاد تكون المحور الرئيسي- إن لم يكن الوحيد- لحركة نهوض هذه الأمة في تاريخها الحديث . فهي تجربة استطاعت أن تفجر ثورية الأمة، وأن تصوغ طريقاً للوصول بها إلى أهدافها ، وأن تضعها في مسار تاريخي جديد... ومن بعدها وبالارتداد ضدها وبالخروج عن طريقها، كان التقهقر وكان هذا التشتت والضياع الذي تعيشه الأمة في مرحلتها الآنية الراهنة .
والسؤال الآن : هل استطعنا بهذا كله استجلاء معالم تلك التجربة ومعطياتها لما يفي بالغرض الذي قصدناه ، وهل وصلنا الى استخلاص كل ما نريد استخلاصه من هذه التجربة الغنية والرائدة ؟
هذا ما لسنا ندعيه في شيء ، بل وكأننا في الطريقة التي اتبعناها، لم نصل الا الى استكشاف عدد من القواعد والمنطلقات العامة ، التي وجهت استراتيجية عبد الناصر ، والى الاشارة الى جملة العوامل التي فعلت في انضاج حركة فكره وتعامله مع الفكر التاريخي والانساني العام ، أي لكأننا بقينا عند محاولة استيعاب القوانين أوالمعادلات العامة التي طبقها عبد الناصر في معالجة المسائل وفي مواجهة المشاكل التي طرحها الواقع ، وطرحتها حياة الأمة وتاريخها الراهن أمامه . وهي المسائل التي ما زالت مطروحة أمامنا ، وأمام جميع القيادات السياسية والثقافية العربية التي تتصدى للفعل في الواقع الراهن وتغييره . وما زالت تطالب الجميع بإجابات عليها وحلول لها .
بل إن تلك المسائل الاساسية التي تصدت لها الطلائع السياسية والثقافية لأمتنا ، وتصدت لها قيادة عبد الناصر ، والتي حسبنا في تلك المرحلة أننا حللناها جزئياً على الأقل أو وضعتنا اليقظة التاريخية الجديدة لأمتنا على طريق حلها ... كمسألة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري ، ومسألة التجزئة ومشاكل التبعثر العربي من اقليمية وطائفية وغيرها ، بل ومسألة التحرر الوطني وتحرير الأرض العربية والخروج من مواقع النفوذ الاستعماري ومن التبعية للقوى والمصالح الامبريالية ، واختيار طريقنا في التقدم الاجتماعي والاقتصادي ، وفي بناء الاندماج الوطني والوحدة القومية العربية ، وفي بناء الدولة العصرية وصياغة حياة ديمقراطية ... هذه وغيرها من المسائل التي تحمل مهمات انجازها ثورة وطنية ديمقراطية عربية وحدوية تتوجه وجهة اشتراكية وتحمل طموح تقديم تجربة حضارية ، والاسهام في حركة التقدم الانساني والتحرر العالمي .. هذه المسائل كلها تعود لتطرح علينا من جديد وبشكل أكثر حدة مما مضى .
ولقد جاء عبد الناصر ، وبنهجه وعلى طريقته ، وفي إطار ظرفه ومرحلته ، ليجيب على تلك المسائل وليسلك طريقا أو طرقاً الى حلها ، والتغلب على المعوّقات التي تعترض سبيل الوصول بالأمة إلى أهدافها .
وإن تجربة كتجربة عبد الناصر الثورية ، كان عنوانها الممارسة أولاً ، والتعلم من مواجهة نتائج تلك الممارسة فيما جاء صواباً ومجدياً أو فيما كان خطأ وتعثراً ، فيما كان تقدماً ونهوضاً وانتصاراً ، أو فيما جاء بالنتيجة فشلاً وخيبة أو انكساراً ... ستطالبنا هذه التجربة - لاستكمال ابعادها - أن نسير معها في صيغها التفصيلية ، وأن نتابع الاساليب التي اتبعتها قيادة عبد الناصر في تلك المجالات كلها ، وأن نطبق عليها المبدأ ذاته التي اختطته لنفسها ، أي مبدأ مناقشتها أخطاءها واجاباتها الصحيحة . أي سيكون مطلوبا من كل من يريد استكمال أبعاد تلك التجربة ، والتعلم منها ، واستخلاص نهج مستقبلي بالاستناد الى معطياتها الايجابية ، أن يأخذ بكل خيط من خيوطها ، وبكل مهمة من المهمات التي مشت لانجازها ، وبكل هدف من الاهداف التي تطلعت لتحقيقها وتوجهت نحوها ليرى كيف كان التصور والتفكير ، وكيف كانت الصياغة والتخطيط ، وكيف كان المسار الى التحقيق وإلى أين وصل الانجاز ، وأين كان التبعثر ، وما الذي عاقها وكان من قصوراتها أو كان خارجا عن طاقتها وامكاناتها ...
أي سيكون مطلوبا لذلك متابعة الثورة في مسارها الوطني في مختلف مراحله ، والصيغ النضالية والسياسية التي سارت فيها لانجاز مهمات التحرر والاستقلال ، ومهمات الاندماج الوطني وبناء الوحدة الوطنية لشعبها ، ومهمات تحرير اقتصادها ومجتمعها وفكرها ، وبناء قوتها وجيشها ، والصيغ المتعددة التي تقدمت بها في كل خطوة من خطوات ذلك التحرر، لمفهوم " الشعب " وقواه الاجتماعية ، ومفاهيم الحرية والديمقراطية ، والأشكال التنظيمية التي اعتمدتها... ثم كيف مضت تلك التجربة الى صياغة الدولة العصرية ومقوماتها ، وماذا حملت من بقايا الماضي وماذا جددت وأدخلت، وماهي الأفكار التي قامت عليها ، والقوى والمصالح الطبقية التي مثلتها، في كل مرحلة من مراحل تلك الثورة . واذا كان عبدالناصر قد أرادها دولة تجسد " ديمقراطية كل الشعب "، ولا تجسد دكتاتورية فرد أو طبقة أو فئة، وأرادها منعتقة من المذهبية والطائفية ومن العصبيات الاقليمية والطائفية ، كما أراد أن يقيها من التسلط البيروقراطي وأن يبقيها منفتحة للرقابة الشعبية وفعلها في تجديدها وحمايتها من الانحراف والفساد، وأراد أن يتقدم بصياغة هذه الدولة وصياغة نظامها السياسي الاجت! ماعي وتنظيماتها، وأن يقدم في النهاية نموذجاً لأقطار الأمة يدفع تطورها ويشدها إلى الوحدة... فإلى أي حد حالفه التوفيق فيما أراد وهدف وإلى أين وصل؟
ثم كيف أثر الانفتاح بمصر على انتمائها القومى وتطلعها الوحدوي والاندماج بنضال الأمة العربية وحمل مسؤولياته مصيراً وهدفاً ، واستراتيجية حركة وعمل؟ وماذا أعطت تجربة عبدالناصر- في مراحلها المتعددة- لقضية تحرر الأمة العربية ، ولقضية وحدتها ، من دعم ومرتكز ورصيد، ومن انجاز وتحقيق؟ ومن أين كان التقدم نحو الوحدة ومن أين جاء الانفصال؟ وما الذي وقف بعد ذلك في وجه الامتداد الوحدوي؟ وما الذي أدخلت تجربة عبدالناصر من تقدم وتجديد على الفكر القومي العربي وعلى التوجه الوحدوي في هذا المنحى من استراتيجية عمله ونضاله؟
كما سيكون مطلوباً متابعة عبدالناصر في تخطيطه ونهجه الاقتصادي والاجتماعى بدءاً من تركيزه على الاصلاح الزراعى في بداية الثورة والتخطيط والتصنيع ، فالتمصير والتأميم ، وصولا الى طريق التحويل الاشتراكي للانتاج وعلاقات الانتاج ، والتطلع الى نهج خاص في تطبيق الاشتراكية العلمية في مصر وبهدف تقديمها هنا أيضاً كنموذج يدفع ببقية الأقطار العربية على هذا الطريق ، حفزاً لثورة الأمة وتعميقاً لها، وليجعل من هذا النهج الاشتراكي أساساً لا بد منه لاستكمال التحرر ومقومات ممارسة الديمقرا طية، بل وكمرتكز لازالة التناقضات والمصالح التي تعترض سبيل الوحدة ، ولتصبح الوحدة وحدة في التحرر والتقدم وتحقيقاً لمصالح الجماهير العريضة للأمة . فماذا كان الانجاز أيضاً في هذا النهج الاشتراكي؟ والى أي الأبعاد مضى؟ وماذا أحدث من تغيير في البنيان الا قتصادي والطبقى للدولة والمجتمع؟ وماذا كان له من انعكاسات ؟
وكذلك أن نتابع خط عبدالناصر في النضال ضد الاستعمار القديم منه والجديد، وموقفه القاطع ضد الامبريالية وسياساتها وقواعدها وأحلافها، وضد مواقع نفوذها وهيمنتها، وضد التبعية لسوقها الرأسمالية واحتكاراتها الدولية ، وضد الصهيونية ووجودها الاستعماري الاسرائيلي على الأرض العربية. ومتابعة نهج عبدالناصر في السياسة الدولية والدور الكبير الذي أداه في بناء حركة عدم الانحياز. ومتابعة تجربته أيضأ في بقية المجالات التي فعلت فيها، فكراً ونضالاً ، وعملأ وبناء ، أو سياسة وتنظيماً .
ولكن لو أننا استكملنا هذا كله، واستخلصنا من تلك التجربة كل معطياتها كما تحققت، هل يكون بمقدورنا بعد ذلك أن نقول : هذه هي " الناصرية " وهذا فكرها وهذه اهدافها ، وتلك كانت وستظل استراتيجية العمل والنضال لتحقيق ثورة الأمة وأهدافها في الحرية والاشتراكية والوحدة ؟ إنها كذلك ، أو هذه هي الناصرية ، اذا لم نرد أن نعطي لكلمة " الناصرية " مايعطي لمثل هذا التعبير عن الأخذ بمنظور ايديولوجي كامل ، ووقفنا بها عند حدود تجربة عبد الناصر وما قدمت لحركة الثورة العربية من رصيد ومعطيات ، وما أنجزت وحققت في مرحلتها من مهمات ، ووقفنا بها عند مجمل فكر عبد الناصر بممارسته في حياته السياسية والنضالية . ولكننا اذا ما وقفنا بمعطيات تلك التجربة عند هذا الحد ، وقلنا انها كانت تجربة كافية ووافية ، وحاولنا أن نستخلص منها اجابات قاطعة أو نهائية على كل المسائل والقضايا ، نكون قد مذهبنا فكر عبد الناصر وثوريته ، وهذا ما لم يرده عبد الناصر وكان ضده ، وضد مذهبية السياسة والدولة ، وضد اخضاع حركة الثورة للمعتقدات القاطعة والنظريات الشمولية . ثم نكون قد اغفلنا " الناصرية " كحافز ثوري وانغلقنا عليها ، وجمدنا نزعتها! الجدلية والمستقبلية في التجدد والاستمرار ونكون قد وضعنا ثورتنا العربية في الماضي ، ليصبح الأخذ بها على هذه الصورة ضربا من الرجعة ، أو نمطا من الاتباعية ، ونكون قد سلبنا من فكر عبد الناصر بالتالي ما حملته تجربة عبد الناصر الثورية من حوافز تجديد وابتكار في الفكر والممارسة ، ومن حافز ابداعي .
ولكن الذي نريد الأخذ به من " الناصرية " ، ولتصبح نهجا لتجديد مسار الثورة العربية ، هو هذا الحافز للتقدم والتجاوز والابتكار ، وما تقدمه لهذا التقدم من ركائز ومعطيات ... نريد منها مستقبليتها وما تقدمه من منظور استراتيجي لمواجهة هذا الحاضر الذي يثقل كثيرا بما يحمله من تشتت وتراجع وضياع ، فلا نقف عند الالتفاف من حوله بتكتيكات قاصرة ومقولات وشعارات فقدت الفعل في حياة الجماهير وفقدت حس التاريخ ونبض الحياة . فالوفاء لتجربة عبد الناصر وفكره يبقى في اطار الوفاء لقضية الثورة العربية التي كانت قضيته ، وإنصاف عبد الناصر لا بد أن يبقى في خدمة ما أراده عبد الناصر من التقدم بقضية الأمة . ومن هنا فإن الوقوف عند ما أعطى عبد الناصر لم يعد كافياً ، هذا إذا ما أردنا من الناصرية والالتزام بها : نهجاً فكرياً وسياسياً وتنظيمياً يسهم في تقديم صياغة جديدة لحركة الثورة العربية ولاستراتيجية حركتها باتجاه أهدافها وانجاز مهماتها .
ومن هنا يصبح مطلوباً منا ونحن نستخلص معطيات تلك التجربة في مرحلتها ، أن نمد بها إلى الأمام ، وأن نأخذ بجدلية حركتها في عبور المراحل وتجاوزها ، وأن نطبق عليها معاييرها أيضاً في النقد وفي تقييم الخطأ والصواب فيما أعطته وتقدمت به .
وعدا هذا فإن كثيراً من الأمور قد تغيرت بعد عبد الناصر ، في مصر وفي الوطن العربي كله ، بل وفي العالم أيضاً ، مما يقتضي مراجعة نقدية لكل مسار حركة التقدم العربي . فلا يجوز أيضاً أن نغفل عدداً من العوامل والمقدمات التي كانت لمرحلة عبد الناصر ، ولم تعد متوفرة الآن ولا بد من بدائل لها . فتجربة عبد الناصر السياسية والفكرية ، وحركة تقدمها ونضجها كانت التعلم من الممارسة وهو في قمة المسؤولية والحكم ، فضلا عما إذا كان لشخصيته التاريخية ولشعبيته من دور فعال ومؤثر . ولقد كانت بين يدي قيادته الدولة وقواها المادية والسلطوية وامكاناتها ، وكان اعتماده على سلطة الدولة رئيسياً في إدارة تلك التجربة ، وكذلك كانت تحت قيادته قوة الجيش ، وكانت من حوله حركة الجماهير في توقد ثوري وفي صعود...
فالتجربة الناصرية في إنجاز مهمات الثورة العربية في التحرر والتقدم والوحدة قد مشت في سياق، وهذا السياق قد انقطع ، فاليوم لا عبدالناصر موجود ولا قيادته ولا ابداعه وا بتكاره ، والدولة وأدواتها وامكاناتها ليست موظفة لمساندة حركة التقدم والثورة ، بل ضدها، وليست مجال تطبيقها وتأثيرها ، بل هى نقيضها. وأجهزة السلطة وأدواتها وقواها موضوعة في الاتجاه المضاد لحركة الجماهير وتعمل على قمعها وحماية تحرك النظام في الاتجاه المعاكس لثورة الأمة وأهدافها . ثم إن حركة الجماهير بعد هذا كله في انحسار، أو هي تتحرك بعفويتها الصرفة وتتفجر بين حين وآخر تعبيراً عن نقمتها.
ومن هنا يصبح من الضروري لتجديد مسار الثورة ، قلب معادلة تلك التجربة الثورية التي بدأت من فوق ومن الامساك بزمام السلطة والدولة بداية ، لتتحرك من القاعدة ولتبدأ نموها في أحضان حركة الجماهير، وهي تعرف سلفاً أن القوى السلبية والمعاكسة لحركة الثورة هى الممسكة بمقاليد السلطة والدولة، وهي التي تفرض نفسها عليها من فوق كصانعة للمرحلة ولتاريخ هذه المرحلة ، وفعلها هذا انما هو جهد جديد يضاف للتأخر القديم لتجميد حركة هذا التاريخ وقسره.
وهذا القلب في معادلة تلك الثورة ، أي انزالها من قمة السلطة الى ساحة النضال الشعبي أولاً ، يدخل عنصراً جديداً على المعطيات التي قدمتها تجربة عبدالناصر، فما كان مؤجلاً عند عبدالناصر، أو متروكاً ليأخذ مقوماته وأبعاده بالتدرج وبتراكم الخبرات والضمانات ، كمسألة " الحزب الثوري " وتحويل تحالف قوى الشعب العامل إلى " كتلة شعبية تاريخية ، متحركة وفاعلة ، ومسألة صياغة أداة الثورة على المستوى القومي ، أي ما أطلقه عبدالناصر تحت شعار " الحركة العربية الواحدة " أو الجبهة الموحدة لقوى الثورة العربية ، ومسائل التنظيم والتنظير الأيديولوجي، تصبح من المسائل المطلوبة أساساً وفي المقدمة . ومن هنا وفي هذا السبيل أيضاً تأتي مسألة الديمقراطية لتحتل مقام الصدارة بين المسائل التي لا بد من الاجابة عليها والأخذ بمقدماتها في أية صياغة جديدة لحركة النهوض العربي، ولتصبح المقدمة التي لا بد منها لأي نهوض يقوى ويمضى على طريق التقدم والثورة. ذلك أن وعد " الديمقراطية السليمة " هو الوعد الذي لم يتحقق في التجربة الناصرية، وليس هذا فحسب ، بل إن أوجه قصورها، وما تؤدي إليه من ضعف في البنيان السياسي التنظيمي وفي ال! بنيان الثقافي، كانت وما زالت هي الثغرات التي تنفذ منها أكثر العوامل والقوى السلبية المضادة للثورة .
وهذا ما يطالب ببدائل عديدة للأطر التي كان يبني عليها ، ويتوجه اليها، فكر عبدالناصر. وأولها البديل لقيادة عبدالناصر، والبديل هنا لم يعد من الممكن أن يأتي عن طريق رجل تاريخي فرد، أو زعيم سياسى مهما بلغت قدرته وشعبيته، بل البديل هو حركة ثورية جديدة وقيادة ثقافية وسياسية جماعية، قادرة على الوعي وعلى الاحاطة لا بتجربة النهوض في مرحلة عبدالناصر، فحسب، بل وبكل ما جاء بعده وكل ما تغير من بعده.
والبديل لسلطة النظام لا يمكن أن ينهض اليوم الا كإرادة شعبية منظمة وسلطة شعبية. والمقولة التي قدمها عبدالناصر لصياغة هذه السلطة والارادة وهى مقولة " التحالف " التي أقام عليها بناء " الاتحاد الاشتراكي " بقاعدته العريضة " وتنظيمه السياسي " اذا ما صلحت كفكرة عامة توجه العمل الوطني فإن تطبيقها من جديد لا بد أن يطالب بصياغة مختلفة لذلك التحالف الطبقي ، ولطليعته أو طلائعه المنظمة أيضاً ، ونهجها واستراتيجية نضالها ، ولتلك القاعدة الوطنية والديمقراطية للثورة والتغيير الثوري ، بحيث تقوى على التصدي لحلف القوى المضادة ، وعلى استبعاد " دموية الصراع الطبقي " واحتمالات تحوله الى حروب أهلية وطائفية في آن واحد . وهذه بذاتها معادلة صعبة .
وفي مواجهة هذا كله ، ومواجهة تعثر المرحلة ، إذا كان من الجائز بل ومن الضروري الاسترشاد بالنهج الذي سار فيه عبد الناصر في مبادئه الاساسية وفي أهدافه الثورية وفي جدلية حركة تطوره ، وسمينا ذلك التزاما بمنظور ونهج " ناصري" فإن الوقوف عند هذا الحد ليس كافيا ، ولا يتفق مع جدلية النهج التاريخي وحركة تقدم الثورة واستمراريتها .
فليس كافيا الوقوف عند ما قال عبد الناصر وما أنجز ، وليس المطلوب اتباعه في كل صيغ ممارساته ... ثم هناك ما قاله عبد الناصر وطالب به ولم يصل الى تحقيقه ، ثم هناك ما لم يقله وما لم يجب عليه من مسائل ، وتتطلب حركة التقدم العربي الاجابة عليها اليوم .
بل وبالنسبة للعديد من هذه المسائل كمسألة الديمقراطية ومسألة الحزب الثوري ، والنظرية أو الايديولوجية التي توجه مسار الثورة ... يمكن الاسترشاد بنهج عبد الناصر فيما رفض من صيغ وجدها غير ملائمة وفيما وجده متخلفا وقاصرا ومربكا لحركة الثورة ومشتتا لقواها ، أكثر من الاسترشاد بما حقق في هذه المجالات وانجز .
لقد رفض عبد الناصر القوالب التقليدية للعمل السياسي العربي والتنظيم الحزبي والشعبي ، ورفض دكتاتورية الطبقة في الحكم ، ورفض حزب الفئة الاجتماعية الواحدة ، ورفض اخضاع النضال السياسي للمذاهب النظرية الشمولية والجاهزة ، ورفض مذهبية الدولة ، ورفض الاتباعية والتقليد .
ولكن البدائل التي قدمها لسد هذه الفراغات ، ظلت مرحلية أو ناقصة وظل حضوره هو الذي يغطي نقائصها . ولقد كان واعيا لجوانب كثيرة من هذه النقائص ، وهو الذي وقف ينادي في اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي : " إننا نبني الاشتراكية بدون اشتراكيين ، والاتحاد الاشتراكي تعشش في داخله قوى للثورة المضادة ، وقوى الثورة المضادة منظمة ، أما القوى التقدمية والاشتراكية فغير منظمة ، بل هي شبه غائبة او متنحية ولم نكشف مواقعها ، ولم نشدها الينا وننظمها ولم نعدّها لقيادة الثورة والدفع باستمراريتها " .
وعبد الناصر هوالذي طالب " بحزب اشتراكي " من طراز جديد ، ونادى بالطهارة الثورية للقيادة ، وبجماعيتها في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار . وقال بخطورة الاعتماد على قيادة الفرد وطالب باسقاط " دولة المخابرات " والاجهزة ، وطالب بالعمل لوحدة فكر الثورة وتوحيد قواها وأداتها ... ولكن ذلك كله ظل عند حدود المطالبة للنفس وللآخرين ، وتوجها نحو المستقبل . ثم إن ثورة عبد الناصر كما قلنا كانت وهو في الحكم ، والثورة اليوم إذ تنزل الى القاعدة الشعبية تجد أمامها تمهيدات لها من عبد الناصر ، ومن مرحلة عبد الناصر . تجد أمامها امتدادا افقيا في صياغة الوحدة الوطنية مثلا ، وفي تفتيح وعي حركة الجماهير على مصالحها وأهدافها وقدراتها وفي تحريض نضاليتها ، والمطلوب اليوم اعطاؤها بعدها في العمق ، تثقيفاً وتنظيماً .
وهذا الترسيخ للثورة في العمق بحاجة للفكر المتقدم الذي يوحد تيارات الثورة ويضعها أمام نهج استراتيجي جديد في انجاز مهمات الثورة والتوجه نحو أهدا فها ، بدءاً من ترسيخ قواعدها الديمقراطية في ادارة العلاقات بين قوى التقدم ، وفي بناء اللحمة الوطنية والتبلور الاجتماعي والطبقي وتعبيراتهما، وفي الدفع بحركة التغيير. وهذا التوجه بحاجة للطليعة التي تحمل فكره وتقود النضال على طريقه وتبتكر الصيغ المناسبة في التنظيم وفي بناء العلاقات بين القوى ، واضعة أمامها - لا وراءها - مقولة عبدالناصر عن الحاجة الى وحدة الفكر ووحدة الأداة . والمبدأ الديمقراطى من جهة ، والمنظور الجدلي والتاريخي ، من جهة أخرى ، لا يجعلان منها وحدة قسرية ، بل وحدة في إطار التنوع والتحاور والتنافس، وينزعان عنها الاقتتال والتصادم والصيغ الانقلابية والقسرية في الصراع على السلطة .
ولكن هذا التوجه الذي يطالب بتحديد ووضوح أكثر بكثير... إنما يطالب أول ما يطالب بالخروج عن الصيغ التقليدية والاتباعية التي انتهجتها وما زالت تنتهجها القوى والتنظيمات التي ترفع الشعارات والأهداف التي رفعتها ثورة عبدالناصر، ولو أنها ما زالت الشعارات الأكثر رسوخاً في حياة جماهير الأمة والأكثر تعبيراً عن مصالحها وهى وحدها التي تشكل وحدة في تطلعاتها . ذلك أن تلك الصيغ التقليدية لم تستطع الحفاظ على مسار التقدم ، في فكرها أو في نضالها، وهي لم تستطع أن تقدم شيئاً كبيراً في مواجهة السقوط الذي جاء بعد عبدالناصر، وهي ما زالت في تعثر وتشتت.
إن تجديد فكر الثورة ونهجها الاستراتيجى وصياغة قواها ومراحلها ومضامين أهدافها ، يبدأ عندما تصل الطلائع السياسية والثقافية لحركة التقدم الى مثل هذا الوعي النقدي لواقعها وضرورة تجاوزه، والى مثل هذا التصميم، أي الى وعي الفشل الذي منيت به ، من خلال الأشكال التي قامت وتقوم عليها في التخطيط والعمل والتنظيم ، وفي التعامل مع حركة الواقع المتغير والتعامل فيما بينها... إن مثل هذا الوعي، أو إن هذه المواجهة الواعية لفشلها السياسي، هو الذي يضعها في مواجهة الواقع باستيعاب جديد، وهو الذي يضعها في التعامل مع حركة التاريخ والفكر التاريخي بجدليته وتطلعاته المستقبلية، مثلما وضع عبدالناصر وصنع تقدميته وتقدمه. وهذا ما يطالبها بتجاوز نفسها وبأن تضع حركتها في مسار غير المسار الراهن الذي تتمسك به ، بعد أن ثبت عجزه في ساحة الممارسة والجدوى .
وهذا كله يطالب اليوم بثورة ثقافية، ومثل هذه الثورة كان قد ألمح إليها عبدالناصر وطالب بها في عدد من المواقف والمناسبات ، وطالب بها لتكملة ثورته الوطنية كثورة سياسية واجتماعية وعربية وحدوية، ولتعزيز لحمتها الأيديولوجية، ورسم تفاصيلها في صياغة المجتمع الجديد بكل تعابيره الثقافية والحضارية. ولكنه تطلع الى الثورة الثقافية " كتكملة " وطالب أن تشمل جوانب الحياة الاقتصادية والاعلامية والتعليمية والأدبية والفنية... لتأخذ الثورة هويتها المتكاملة. وفي واقع الأمر، إن عبدالناصر في النصف الثاني من مرحلته، أعطى تمهيدات لها وفتح الأبواب أمامها ، ولكنها ظلت فتحات ضيقة ومحاصرة بالمجتمع التقليدي من جهة وبالتكوينات البيروقراطية من جهة ثانية. ومع ذلك فقد أعطت... إنها أعطت في " المعاهد الاشتراكية " ، وأعطت في الاعلام ، وفي التعليم ومناهج التعليم المتجددة، وفي الاصلاح الديني ... وأعطت في الأدب المسرحى وفي الفنون وفي مجالات أخرى عديدة ... ولكنها كانت تطلعات وتمهيدات عادت وعصفت بها رياح الردة .
والمطلوب اليوم لا أن تأتي الثورة الثقافية خاتمة وتكملة، بل أن تأتي بداية ومنطلقاً. والثورة الثقافية تبدأ مع فتح أبواب النقد على مصاريعها في كل المجالات . ولذا فان عنوانها الرئيسي اليوم هو الديمقراطية والنضال في سبيل الحريات الديمقراطية السياسية والفكرية ، فبغير الديمقراطية لا يمكن توفير المناخ اللازم لهذه الثورة ، الا اذا تحريناها في الهجرة خارج الوطن وخارج الحدود ، كما هو حاصل ويحصل اليوم بالنسبة للكثيرين . واذا كان التعبير الديمقراطي للثورة الثقافية يعني أول ما يعني حرية الرأي والمعتقد والتنظيم السياسي، ويعني الحوار بين الأفكار والمنظورات الأيديولوجية بحثاً عن هوية وعن وحدة... فإنها تعني في الوقت ذاته صراعاً عريضاً أيضاً ، والمحور الرئيسي له ، الصراع بين التقليد والتجديد، وبين الاتباع والابداع ، بين المحافظة على الأطر القائمة للتفكير والعمل ، وبين اختراقها وتجاوزها تفتيشاً عن حلول جديدة للمسائل ، وعن أطر جديدة للعمل .
إن دعاة الاتباع ، وفي أطر المجموعات السياسية والفكرية التى تقول بالثورية والثورة ذاتها ، لا تقدم شيئاً للخروج من التعثر الراهن بل تزيده . والاتباعية هنا لا تزيد عن أن تعود إلى الجمود في الفكر والتشتت في العمل والبعد عن الهدف لتقلب معادلة الثورة رأساً على عقب وتتطلع بها الى الوراء لا الى المستقبل . وهذا ما وقف فكر عبدالناصر ضده وأراد التغلب عليه ، ولذا فإن الاتباعية في " الناصرية " ( كما في غيرها من المنظورات الأيديولوجية) ومحاولة تطبيق ما كان في مرحلة على مرحلة أخرى مختلفة عنها، يجعل منها معوقاً لا حافر تقدم . والدليل أمامنا فيما يجري من ارتداد الى المواقع والأطر السالفة في العمل السياسي من غير نزوع للتغيير والابتكار، لا لتصبح تلك الأطر قاصرة وعاجزة فحسب، بل وكذلك محاولاتها في صياغة التحالفات والتكتلات و " الجبهات " الوطنية والقومية، والاتباعية في الفكر تصبح بالضرورة هنا اتباعية في السياسة ، بل هي بالأصل اتباعية في السياسة ( بل وكثيراً ما تكون انتهازية) تسخر الفكر للمصالح الفئوية والزعامات الفردية . فهذه الائباعية تلغي المبادرة وتحارب الابتكار والابداع وتعطل بالتالي حركة الت! غيير، وتصب بالنتيجة في وا قع الضياع وإستمرارية الأوضاع الراهنة، وتعوق بوجودها الثقيل في الساحة ، وبمن تشدهم إليها بشكل أو بآخر، تجديد حركة الثورة وتجديد قواها وأداتها .
وما دمنا ندور في إطار فكر عبدالناصر، وما يقدم من حوافز، فإن تلك النزعة الاتباعية، التي تأخذ بها أو تقوم عليها بعض المجموعات التي تحمل اسم "الناصرية" ، تظل بعيدة عن حركة التجديد والتعلم من التجربة في فكر عبدالناصر، وهي تؤذي المشروع الثوري الذي سار فيه عبدالناصر، من ناحيتين رئيسيتين :
1- تجميد الجدلية التاريخية في ثورة عبدالناصر من حيث أن النهج الناصري كان حركة نضج و تقدم، وهو في الفكر تأليف وتركيب ومحاولة ابتكار وابداع لا عملية أخذ وانتقاء وتجميع واتباع . وهو في السياسة عملية توحيد للقوى وتعبئة لحركة الجماهير وتحديد للأولويات التي توحد الموقف الوطني على طريق الهدف الاستراتيجى ( وفكره لم يكن موجهاً لفئة سياسية محددة ، بل كان موجهاً لكل القوى الوطنية والتقدمية في الوطن العربي) . وهكذا فان الاتباعية هنا تقلص مشروع عبدالناصر الثوري وتضيق آفاقه، وتبقى بالضرورة في مواقع متأخرة عن حركة عبدالناصر وفكره ، وهي تغلق هذا الفكر عن التفتح وعن استيعاب التغيرات وعن التجدد . كما أنها تجمد معها المجموعات التي تمسك بها حركة الجماهير وهذا ما يعطي بالتالي رصيداً ، لا للثورة وتجاوز أزمتها الراهنة وانقسامات قواها ، بل رصيداً للقوى التقليدية والرجعية في السياسة ، وللقوى المحافظة والسلفية في المجتمع ، تلك القوى التي تتحرك في الساحة من جديد وتمتد على حساب أوجه قصور قوى الثورة والتقدم .
2- إبقاء الثغرات التي كان يسدها عبدالناصر بحضوره على رأس حركة الثورة ... إبقاء هذه الثغرات مفتوحة. فعبدالناصر بحضوره القوي والمتحرك كان يسد فراغ التنظير الفكري والاستراتيجي لخطوات الثورة ومراحلها ، وكان يسد فراغ " التنظيم السياسي " أو الحزب الثوري الذي يتقدم أمام حركة الجماهير وكان يسد، الى حد ما، فراغ الديمقراطية ورقابة الشعب على القيادات وعلى الحكم... ثم إن عبدالناصر بحضوره كان تعبيراً عن وحدة الأمة وكان ممسكاً بمصر كلها وبتقدمها وبقوة شعب مصر وتماسكه الوطني ، ومن هذا الموقع كان سنداً لكل قوى النضال والتقدم في الوطن العربي وكانت مساندته ايجابية ومؤثرة وفاعلة.
ومن هنا فان مثل هذه الاتباعية تظل تدور في إطار مغلق لا خروج منه، وهي بالتالي لا تقدم شيئاً لتغيير هذا الواقع المتعثر. وهذا ما ينطبق لا على من يأخذون ذلك المنحى الاتباعى والجامد من الناصرية وفكر عبدالناصر فحسب ، بل ينطبق أيضاً ، وعلى نطاق أوسع وأشمل ، على كل التيارات السياسية على اختلاف مناهلها الأيديولوجية، حين تأخذ بهذا المنحى السكوتي والاتباعي ، أياً كان ما تحمل من شعارات الثورة والتغيير.
وبين هذه الاتباعية من جهة- التي تقلص مشروع عبدالناصر في الثورة ، وتقلص بالتالي مشروع الثورة العربية عموماً وتحبسه في اطرها القاصرة ، لتتقلص هي بالتالي وتتشرذم ، ولتصبح هامشية أو تابعة- وبين هذه العودة للسلفي والرجعي التي تستشري وتمتد من جهة ثانية وفوق هذا كله، ونتيجة لهذا كله- تصعد قوى الثورة المضادة وتبسط هيمنتها في مواقع عديدة على مراكز السلطة ومراكز النشر والتعليم والاعلام والهيمنة الثقافية والاقتصادية (هذا اذا ما تركنا جانباً زمر الأقلام الانتهازية التي تتلون بتلون النظم والطبقات البيروقراطية والطفيلية المتسلطة والمتنامية ، وتبقى ساحة العمل الثوري، وتجديد نهوض الأمة ونضالية جماهيرها ، خالية إلا من محاولات تشق طريقها في كثير من التعثر والعناء وتدفع ثمناً باهظاً لكل حركة من تحركاتها ، من حريتها وكرامتها وحياتها . والنداء الذي تجده أمامها ويلح عليها هو نداء عبدالناصر : أيها الوطنيون العرب وحدوا أفكاركم ومضامين أهدافكم في توجه مستقبلي، ومن غير ضياع في المسالك الفرعية ، ووحدوا منهاج عملكم واستراتيجية نضالكم دفعأ الى طريق وحدة الثورة العربية وتوحيد أداتها...
ولكن في مقابل ذلك فان المسائل المطروحة اليوم على فكر الثورة وحركة الثورة ، والمشكلات التي تواجهها، لم تعد بتلك البساطة والتحديد الأولي الذي بدأت فيه الثورة الوطنية لينتقل بها عبدالناصر في مراحل وأطوار على طريق الثورة الكاملة.
فالثورة الوطنية تعرف اليوم، ويعرف أعداؤها أيضاً ، جميع أبعادها، وأنها ثورة سياسية واجتماعية متكاملة، وأنها ثورة للوحدة العربية وتطالب أيضاً بثورة ثقافية لتعزيز لحمة هذه الثورة السياسية- الاجتماعية- الوحدوية .
فاليوم وقد وجدت قوى الثورة المضادة فرصتها في الانقضاض ، وفي السيطرة على العديد من مراكز السلطة والحكم والهيمنة ، كما تحركت كل القوى المعادية للأمة العربية ولوحدتها ، لقطع طريق الثورة ومحاربة فكرها وتشتيت قواها ... فإن معادلة الثورة الوطنية الديمقراطية لا تعود ثورة سياسية أولاً فثورة اجتماعية فوحدة عربية ثم تأتي الثورة الثقافية وتأتي " الديمقراطية السليمة " ... بل تصبح المعادلة : ثورة ثقافية وديمقراطية أولاً ، تواكب مسار العمل السياسي ومسار النضال ، وتصوغ وحدة توجهاته الفكرية ووحدة استراتيجيته ووحدة قواه ، وتربط أواصر الثورة منذ البداية في جدلية حركتها التاريخية وتداخل مراحلها وأهدا فها .
والمعادلة التي سارت بها ثورة عبد الناصر في أدوار نضجها المتلاحقة، وفي تقسيمها الأهداف والمهمات إلى مراحل ، وفي صياغة القاعدة الشعبية التي تستند إليها ومفهوم الشعب ، في كل دور ومرحلة، وصياغة تحالفاتها الطبقية أو صراعاتها، لا بد أن يؤخذ بها في طورها المتقدم أي في صيغتها الكاملة .
وقوى الثورة إذ تحدد طريقها، وتحدد أعداءها فإن صياغة قاعدتها الشعبية والاجتماعية، وتحالفاتها الطبقية والسياسية، الاستراتيجية منها والمرحلية ، تصبح واضحة لها منذ البداية . ولكنها وفي هذا الاتجاه المستقبلي أيضاً ، تجد في فكر عبدالناصر وتجاربه مقدمات لها .
فتحالف " قوى الشعب العامل " تلك المقولة الناصرية لبناء القاعدة الشعبية للثورة وتنظيمها وبلورة مقوماتها الطبقية والاجتماعية ، يمكن أن تتجدد في صيغة " الكتلة التاريخية "، كتحالف للعمال والطلاب والفلاحين والمثقفين الديمقراطيين ، تزرع قوى الثورة أدواتها في قلبها، كطلائع لها تصوغ تنظيمها وتلاحمها النضالي...
أما مسألة الطليعة المنظمة التي تدير حركة الثورة وتقود النضال فإنها المسألة التي ظلت شعاراً ومجرد عنوان، ولم تعط في تجربة عبدالناصر في النهاية إلا ثمرة صغيرة لم تقو على الثبات والاستمرار من بعده . فتجربة عبد الناصر من هذه الناحية ظلت تتردد في البداية بين الحزب واللاحزب ، وبين الحزب الواحد وتعدد الأحزاب ، وكان نقدها لما هو قاصر وعاجز ولما هو غير ملائم ، أكثر من تحليلها لما يجب أن يكون ، إلا في أحاديث قليلة ، ظلت في أطر القيادات المحيطة به ، ولم تعلن على الملأ. وهو قد نص في الميثاق على ضرورة خلق " جهاز سياسي " داخل الاتحاد الاشتراكي ، وسماه أيضأ " حزباً اشتراكياً " و " تنظيماً طليعياً " ، كما نادى بعد الانفصال بضرورة قيام " حركة عربية واحدة " على المستوى القومي ، ولكنها كلها تظل مسائل مطروحة وليس أمامها في تلك التجربة من حل واضح، كما أن الإجابات عليها من القوى والتنظيمات السياسية القائمة، والقائلة بالثورة وأهدافها الواحدة، ما زالت مختلفة وقاصرة .
ولكن من منطق الأمور، ونحن نتوجه إلى ضرورة الأخذ بالمنطلق الديمقراطي منذ البداية ، وبعد كل ما عانته حركة التقدم من الصيغ الاستبدادية وصيغ الهيمنة المطلقة في السلطة والحكم ، والتي أدت بها إلى هذا الوضع البائس ، الأخذ بمبدأ التعدد وحرية التنظيم السياسي والحزبي ، بل وبالنسبة للقوى والتيارات التي تأخذ بمبادىء الثورة الواحدة ، فإن صيغة الحزب الطليعى الواحد بالمفهوم اللينيني ، لا تطابق واقع توزيع القوى وواقع التوزيع الطبقي والأيديولوجى لحركات النضال العربي . فمبدأ التنوع وتعدد التيارات في إطار نوع من التلاحم الجبهوي الاستراتيجى يبقى إلى الآن المبدأ الأكثر ملاءمة. ولو أن هذه المقولة أيضاً - مقولة الجبهات الوطنية والقومية- أمامها صيغ متباينة ، وأكثر ما قام باسمها لم يقدم ما يسد هذا الفراغ ، وأكثرها محكوم بواقع النظم والعلاقات السلطوية، وهذا ما يطالب أيضاً بصيغ مبتكرة و جديدة .
وإذا وقفنا في النهاية عند المنطلقات الأيديولوجية والنظرية، التي توجه قوى النضال الوطني وأحزابها وفكرها السياسي والاجتماعى وإذا ما بقينا اليوم أيضاً أمام واقع التعدد والتنوع في إطار الأهداف النضالية والاستراتيجية الواحدة فإن النهج الذي سار فيه عبد الناصر بهذا الصدد يعطينا تجربة ثمينة في منحاها العام .
فعبد الناصر في توجهه الفكري وجد نفسه أمام ثلاثة تيارات أيديولوجية وطنية لها فعلها وتعبيراتها لدى القوى السياسية والثقافية وفي حياة الفئات الاجتماعية والشعبية ، كما كان لها أثرها في ثقافته وتوجهاته وهي : التيار الوطني الديني، والتيار الوطني القومي العربي الوحدوي ، والتيار الماركسي .
وهو إذا ما تقارب في عدد من مراحل تجربته أو تصادم مع قوى وتنظيمات سياسية تحمل هذه الأيديولوجيات متفرقة، وهو إذا ما ندد بمواقفها وقصوراتها وعصبياتها ، وما حملته الواحدة أو الأخرى من سلفية وأسطورية ، أو من تبعية واتباعية أو من قصور، فإنه قد فعل جاهداً للتأثير في هذه التيارات ليضعها في سياق الوطنية والتقدم والثورة ، وفي تذليل أسباب التصادم والتناقض الكلي فيما بينها ، لما له من انعكاسات على الوحدة الوطنية للقاعدة الشعبية للثورة . لقد كان لكل واحدة منها تعبيراتها في حياة قطاعات من جماهير الشعب وفي ثقافتها وفي توجيه مواقفها السياسية . ولقد حاول أن يستخلص من المعطيات الإيجابية لكل منها ما يفيد في صياغة المنظور الأيديولوجي لحركة فكره وحركة الثورة. وأخذه هذا واستخلاصه لم يكن انتقاء وتجميعاً لما يرضي الحاجة والدعاية ، بل تركها تأخذ صياغتها الجدلية في حركة فكره ووعيه واستيعابه ، لتأخذ صيغة إبداعية من التأليف والتركيب ، ليصبح فكره هو هذه الايديولوجيا كلها ، ولكن ليس أية واحدة منها على حدة .
ومثل هذا التأليف الجدلي الذي نتلمس معالمه في فكر عبد الناصر ، إنما نستطيع أن نتبينه من خلال تعابيره العامة، ومن خلال ممارساته، فهذا التاليف ظل عملية وعي ذاتي ، فهو لم يشرحه ولم يفصله، ولم يقدم لنا الطريقة التي استخلص بها من خلال التحليل والنقد، ثم من خلال التركيب والصياغة، وصولاً إلى المحصلة والتجاوز، أي إلى أن يصنع هو نفسه نهجه الأيديولوجى المنسجم . ولكن هذا كله أعطى دلالاته في خطب عبد الناصر وكلامه وفي نهجه وصياغة " ميثاقه " وبرامجه ونظامه. ولقد جهد لوضع هذه المحصلة في حياة الناس وقناعاتهم أفكاراً ومقولات عامة ، وضعها في خدمة المشروع الثوري ولتوجه عمله. ولكن عبد الناصر لم يفرض هذا التأليف على الآخرين بل دل على مثل هذه الامكانية .
فهو قد أخذ من التيار الوطني الديني جانب الإيمان وما يعطيه من متانة خلقية وحوافز نضالية ، من خلال التطلع للحق والعدل والمساواة بين بني البشر، ثم بما للدين من رصيد راسخ في وجدان جماهيرالشعب وثقافتها وحياتها ، وقال " بجوهر الدين " كحافز تغيير وثورة ضد الظلم وضد الفساد، وطالب بأن ينزع عن الدين ما لحق به من أسطورية وخرافة وجمود ، وما سخر له من قبل قوى الاستغلال والاستبداد، وأراد له إسهامه الثقافي والأخلاقي والروحي وأن يوضع في سياق تاريخي يتطلع للتجدد والإصلاح، وقال بحرية المعتقد وبرفض مذهبة الدولة ورفض الطائفية السياسية والتعصب .
وأخذ من التيار القومى الضرورة التاريخية في بناء وحدة الأمة، وأخذ به في مفهوم علماني لبناء الدولة الوطنية والقومية العصرية، والقائم على اندماج جميع فئات الأمة في إطار الوطن الواحد واللغة الواحدة والتاريخ المشترك وإرادة التحرر والتقدم والحياة المشتركة . وأخذ به كنهج استراتيجي لبناء نهوض الأمة وقوتها ووحدتها وتقدمها وبناء نضالها المشترك في وجه أعدائها وأعداء تحررها ووحدتها وتقدمها، ووضع هذا التيار في توجه مستقبلي وأخرجه عن السلفية والتوجه للماضي، وحرره من العصبيات الإقليمية والعنصرية والطائفية ، ومن النزعات والتطلعات الأمبراطورية .
وأخذ من التيار الماركسي نهجه النقدي وجدليته التاريخية، وأخذ بالمنهج الاشتراكى العلمى وطالبه بالخروج من علاقات التبعية، وأن ينطلق في الولاء أولاً للوطن والأمة ، ففي إطارهما تجري الصراعات الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية ، ومن خلالهما يأتي التطلع إلى صياغة العلاقات والروابط العالمية والفلسفات الكونية .
وهذا ما يمكن تأكيده من خلال استعراض كلمات عبدالناصر ، ومن خلال استطلاع محصلته في مقولات " ميثاقه الوطني " وشروحاته، وكان الحري بنا أن لا نقول أخذ عبدالناصر من هذا التيار أو ذلك ، يل أن نقول إنه يلتقى مع هذا التيار من حيث وضعه في هذا المنحى ... فعبدالناصر كما ذكرنا وكررنا، لم يكن في حركة نضجه الفكري والاستراتيجى انتقائياً يجمع ما يناسب حاجته من هنا وهناك ومن هذا وذاك ، ولم يكن اتباعياً ، بل كان جدلياً ، وعملية النقد والتأليف الجدلي هي التي تصنع من هذا كله منحى فكرياً متكاملاً يوجه مساره الثوري .
فالنظام ، أو الدولة التي أقامها عبد الناصر، أرادها نموذجاً للدولة القومية العصرية، تمثل إرادة كل فئات الشعب وطوائفه، وتساوي بين كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم . وهو لم يردها دولة لطائفة أو مذهب أو فئة، ولكن علمنة الدولة هذه لم يضعها في تعارض مع القيم الروحية والحريات الدينية ومع " جوهر الدين " في تحقيق تطلعاته الأخلاقية ، كما أنه أراد أن يعطيها مقومها الحديث ، في الجمع بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية ، وأن يرسى مقوماتها على أساس من التخطيط العلمي والنهج الاشتراكى.
قلنا إن عبد الناصرلم يقدم لنا عن هذه العملية في التأليف نظرية أو منظوراً أيديولوجياً ، كما أنه لم يقم على أساسها حزباً أو أحزاباً أو جبهة تمثل كل هذه التيارات أو تمثل تلاقياً بينها ، ولكن بهذا الجهد الذي بذله وهذا النهج الذي اتبعه ، قد ذلل الكثير من العقبات التي تعوق التلاقي الوطني لهذه التيارات في إطار مشروع ثوري مشترك ، وهو قد وضع قاسماً مشتركاً بينها يتحدد بتطلعاتها المشتركة للتحرر الوطني والتقدم والاشتراكية والوحدة ، ووضع أمامها قاعدة اجتماعية وشعبية واحدة ، أو تحالفاً طبقياً هو قاعدتها كلها وتتوجه إليه كلها. فهو قد سحب من ساحة علاقاتها الوطنية ورقة التصادم الايديولوجي والتصادم الطبقى فيما بينها، وحوّله إلى تصادمات بينها مجتمعة وبين المصالح والقوى الطبقية والايديولوجية التي تشد إلى الوراء وتشد إلى الرجعية وتشد إلى التبعية وإلى المصالح الاستغلالية والفئوية وإلى الفساد وتحلل القيم الأخلاقية والروحية .
تلك في الواقع معطيات تقدمها لنا تجربة عبد الناصر وفكره . ومحاولتنا هذه ترمى إلى أن نستخلص منها تمهيدات لفتح باب الحوار، من أجل تهيئة المناخ المواتي لصياغة روابط قوى الثورة العربية وعلاقاتها، وللوصول إلى " وحدة الفكر " أو لما هو ضروري من الوحدة في الفكر لصياغة استراتيجية مشتركة، ونضال مشترك لتجديد مسار الثورة نحو أهدافها ، وفي مواجهة القوى المضادة للثورة والمعادية للأمة ... فالبقاء عند المواقع القديمة والتقليدية في التفكير السياسي والعمل الحزبي والتعصب الايديولوجي ، وفي صياغة العلاقات والتحالفات ، يعني بالتالي عدم الاستفادة من التجربة، والارتداد إلى مواقع متأخرة عن مرحلة عبد الناصر... فينقطع سياق التقدم ، وتأخذ القوى المضادة للثورة مداها ، وتبقى قضية الأمة معلقة تطالب بمن يحمل رايتها من جديد .








محتويات الكتاب

- هذه السلسلة ....
1- مع الثورة في مسارها التاريخي العام : الثورة المستمرة وحضور عبد الناصر ....
2- فكر عبد الناصر في جدلية تقدمه ونضجه : من الثورة الوطنية الى الثورة الكاملة والاشتراكية العلمية
3- من الاستراتيجية العسكرية الى الاستراتيجية السياسية والفكر التاريخي ...
4- الناصرية ومستقبليتها : الاقتناع والتجديد ...


 
روابط ذات صلة
· زيادة حول جمال الأتاسي
· الأخبار بواسطة admin


أكثر مقال قراءة عن جمال الأتاسي:
محطات قومية مع الدكتور جمال الأتاسي - أحمد مظهر سعدو


تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.






إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.

PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية