.. وكذلك الطريق الدبلوماسي
آمن عبد الناصر بالطريق الدبلوماسي أيضا، بشرط عدم التنازل عن المواقف الأساسية والثوابت الوطنية، وهذا كان موقفه عندما وافق على "مبادرة روجرز"، التي أساء الكثيرون فهم مقصد عبد الناصر من ورائها، وأثبت التاريخ أن موقفه كان صائبا وعقلانيا ويصب في مصلحة الدفاع عن الأراضي المصرية وحمايتها من الغارات الاسرائيلية، والاستعداد للحرب التحريرية التي تحقق جزء منها في حرب 1973، وهكذا يواصل السيد حسن نصرالله تلك الطريق، فالى جانب طريق المقاومة بالسلاح والحرب، يعمل بالطرق الدبلوماسية لتحرير الأسرى وجثامين الشهداء، فالطريق الدبلوماسي تأتي خدمة واستمرارا لطريق المقاومة وليس العكس.
ويسير على هذه الطريق الرئيس السوري، الدكتور بشار الأسد الذي سجل نصرا دبلوماسيا مؤخرا، دون أن يتنازل عن مواقفه السياسية المعروفة. وتمثل ذلك في توجيه الرئيس الفرنسي، ساركوزي دعوة له لحضور مؤتمر المتوسط في احتفالات الثورة الفرنسية، وحضور الأسد فعلا وسط دهشة العالم. وهنا لا نعلن موقفا من هذا المؤتمر فيحق للمهعارض والمنتقد اعلان رأيه، لكن ذلك لا ينقص من أهمية ظهور الأسد ومعاني حضوره. فكلنا يذكر الحملة الأمريكية والغربية، والتي شارك فيها الرئيس الفرنسي السابق على سوريا في أعقاب مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، تلك الحملة الظالمة على سوريا لأنها تنتهج خطا معارضا للسياسة الأمريكية في المنطقة. وفشلت الحملة بكل أبواقها الغربية و"العربية" ولم تتراجع سوريا عن مواقفها، لم تقطع علاقاتها بايران، لم تطرد قيادة حماس من أراضيها ولم تغلق مكاتب الفصائل الفلسطينية المغضوب عليها، بل نجحت في لعب دور فاعل في رأب الصدع الفسطيني بفضل علاقاتها المميزة مع المعارضة والسلطة، وكذلك في الوفاق الداخلي في لبنان بفضل علاقتها المميزة مع قطر، بل اعترفت الصحافة الاسرائيلية أن سوريا أخذت مكان مصر الضعيفة والسعودية في التحرك العربي الفاعل. وصورت صحيفة "هآرتس" النجاح الدبلوماسي أمام الإخفاق الاسرائيلي في رسم كاريكاتوري، ظهر الأسبوع الماضي يمثل برج ايفل في باريس، وقد نصب على رأسه العلم السوري، ويقف الرئيس السوري، بشار الأسد في وسطه ملوحا لرئيس الحكومة الاسرائيلية، أولمرت وهو يغادر باريس في أسفل البرج عائدا إلى تل أبيب يجر أذيال الخيبة والهزيمة، من قمة دول المتوسط.
إن الرموز التي وضعها باحكام وذكاء رسام الكاريكاتير تختزل كل التعليقات الصحفية والاذاعية، وكل المشاهد والصور التي نشرتها وأبرزتها وسائل الإعلام، وخاصة تجاهل الأسد لأولمرت وعدم الالتفات إليه لمصافحته كما فعل زميله مبارك على سبيل المثال. لقد عبر هذا الكاريكاتير عن الحالة السياسية التي يعيشها كل من الزعيمين.
أولمرت في نزول مستمر داخليا وخارجيا، والأسد في صعود مطرد وخاصة على صعيد الخارج، وهذا الزعيم الذي سخر منه الكثيرون واستهانوا بقدراته الدبلوماسية أثبت أنه معلم وثعلب سياسي يذكرنا بما قام به والده المرحوم، حافظ الأسد. فبعدما خيل للبعض أنه إلى زوال، ها هو ينتعش ويعود لمركز الأحداث والتحركات السياسية دون أن يتنازل كغيره عن مواقفه الثابتة، ودون أن يتراجع عن سياسته الراسخة.
إن استعادة سوريا ورئيسها الأسد لمكانتهما، وما حققه القائد حسن نصرالله هذا الأسبوع، يثبت أمرا واحدا أن طريق التنازلات وتقبيل الأيادي لا تأتي بنتيجة، وأن سياسة الثبات والصمود في المواقف المبدئية هي طريق النصر وإن طالت هذه الطريق. وهذه هي الطريق التي خطها وأكدها من قبلهما المعلم الخالد، جمال عبد الناصر الذي لم يتنازل للاستعمار والامبريالية والصهيونية، وخاض ضدها الحروب، ولم يخش المواجهات معها، وهو الذي دعا الانسان العربي لأن يرفع رأسه عزة وكرامة وأن لا يتنازل عن حقوقه الثابتة، لأن عهد الاستعباد ولى.
(شفاعمرو/ الجليل)