ثورة يوليو والتنمية
عبد الناصر وقضايا المجتمع المصرى
لماذا الاشتراكية والتنمية
يقول الرئيس جمال عبد الناصر فى فلسفة الثورة :
"
وأنا أنظر أحيانا إلى أسرة مصرية عادية من آلاف الأسر
التى تعيش فى العاصمة : الأب فلاح معمم
من صميم الريف والأم سيدة منحدرة من أصل تركى وأبناء الأسرة فى مدارس على النظام الإنجليزى وفتياتها فى
مدارس على النظام الفرنسى ، كل هذا بين روح
القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين 00 أنظر إلى هذا وأحس فى أعماقى بفهم
للحيرة التى نقاسيها وللتخبط الذى يفترسنا
ثم أقول لنفسى : سوف يتبلور هذا المجتمع 00 سوف يتماسك وسوف يكون وحدة واحدة قوية متجانسة وإنما ينبغى أن نشد أعصابنا
ونتحمل فترة الانتقال"0
وهكذا وضع
جمال عبد الناصر إصبعه على حقيقة المشكلة التى بدأ يتضح فى
التسعينات من القرن العشرين أنها تشكل جوهر
التنمية ، وهى بناء المجتمع السليم الذى ينتفى
فيه اغتراب الفرد ويختفى منه التسلط سواء الملكى بطغيان الملكية المسنودة من الاستعمار 00أو الإقطاعى
الذى يستغل الشريحة الكبرى من المواطنين التى تعيش على قطاع الزراعة أو الرأسمالى المحتكر الذى يستغل المستهلك ويفرض على العامل واحد وخمسين
ساعة عمل أسبوعيا مقابل أجر لا يتجاوز الجنيهين
لا يكفيه هو وأسرته المكونة من خمسة أفراد فى المتوسط 0
وعندما تساءل عبد الناصر عن الطريق كانت الإجابة واضحة
:" الحرية السياسية والحرية الاقتصادية
وانتقل بعد ذلك للكلام عن المستقبل فقال :
"
قلنا إننا لا نملك المستقبل وحدنا فمن أجل ضمان الحياة
السياسية فى المستقبل ذهبنا إلى عدد من قادة الرأى
من مختلف الطبقات والعقائد وقلنا
لهم : ضعوا للبلد دستورا يصون مقدسا ته وكانت لجنة الدستور
ومن أجل
ضمان الحياة الاقتصادية فى المستقبل ذهبنا إلى أكبر الأساتذة فى
مختلف نواحى الخبرة وقلنا لهم : نظموا
للبلد رخاؤه واضمنوا لقمة العيش لكل فرد فيه
وكان مجلس الإنتاج تلك حدودنا لم نتعداها ، إزالة الصخور والعقبات
من الطريق مهما يكن الثمن واجبنا ،
والعمل من كل نواحيه مفتوح لكل ذوى الرأى والخبرة
فرض لازم عليهم ، وليس لنا أن نستأثر به دونهم ، بل إن مهمتنا تقتضى أن نسعى إليهم لجمعهم من أجل مستقبل مصر 00مصر
القوية المتحررة 0"
الخطوة الأولى
كانت إذن وضع الدستور- دستور يمنع تكرار مآسى الماضى ويحدد
معلم مجتمع المستقبل وأعلن جمال عبد
الناصر بصفته رئيس الجمهورية فى يناير 1956 دستور
الشعب باسم الشعب قائلا :
"
نحن الشعب المصرى الذى انتزع حقه فى الحرية والحياة بعد
معركة متصلة ضد السيطرة المعتدية من الخارج والسيطرة
المستغلة من الداخل 0"
وهكذا جاء
الدستور تعبيرا عن إرادة شعبية وتتويجا لكفاح وطنى وليس هبة من حاكم أو منة من قوى خارجية تتستر وراء ما يسمى بحقوق الشعوب
وحقوق الإنسان بينما هى تستمد وجودها وبقائها من
إهدار حقوق الشعوب 0 وحدد أهدافه
بالأهداف التى من أجلها قامت الثورة وهى القضاء على الاستعمار وسيطرة رأس المال على الحكم وإقامة جيش وطنى قوى وإقامة عدالة
اجتماعية وإقامة حياة ديمقراطية سليمة 0
ولقد تضمن الدستور عددا من المواد رسمت المعالم
الاقتصادية للمجتمع الجديد وهى:
المادة السابعة :" ينظم الاقتصاد القومى وفقا لخطط
مرسومة تراعى فيها مبادئ العدالة
الاجتماعية وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة"0
المادة الثامنة:" النشاط الإقتصادى الخاص حر على ألا
يضر بمصلحة المجتمع أو يخل بأمن الناس أو يعتدى على حريتهم وكرامتهم "0
المادة التاسعة:" يستخدم رأس المال فى خدمة الاقتصاد
القومى ولا يجوز أن يتعارض فى طرق استخدامه مع الخير العام للشعب 0"
المادة العاشرة:" يكفل القانون التوافق بين النشاط
الاقتصادى العام والنشاط الإقتصادى الخاص تحقيقا للأهداف الاجتماعية ورخاء الشعب
0"
المادة الحادية
عشر:" الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة
العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون 0"
المادة السابعة
عشر :" تعمل الدولة على أن تيسر للمواطنين جميعا مستوى لائق من المعيشة أساسه تهيئة الغذاء والسكن والخدمات الصحية
والثقافية والاجتماعية
0"
المادة الثانية والعشرون :" العدالة الاجتماعية أساس
الضرائب والتكاليف العامة 0"
ووفقا للمنهج
الذى حدده جمال عبد الناصر صدرت عدة قرارات بعد أسبوع واحد من قيام الثورة وبالتحديد فى 30 يوليو1952 صدرت عدة قرارات استهدفت
القضاء على الإقطاع والاحتكار وكان فى مقدمتها
قانون الإصلاح الزراعى وتنظيم الإيجارات التى أنهت تسلط الملاك على المنتجين والمستأجرين فى الريف والحضر وحددت بالتالى المبالغة فى التكالب على الملكية
العقارية وما يترتب على ذلك
من عزوف المدخرات الخاصة على الدخول فى مجالات الإنتاج المثمر وبخاصة الإنتاج الصناعى وتحمل مخاطره 0
أما بالنسبة
لرأس المال الأجنبى فقد بادرت الثورة بالاستجابة لنصائح الاقتصاديين من أهل الخبرة الذين كانوا
يرون أن قانون الشركات المساهمة
(138لسنة1947) – لا يشجع المستثمرين الأجانب لأنه يحرمهم
غالبية الملكية
فصدر المرسوم بقانون رقم 130لسنة1952بتعديل المادة السادسة من ذلك القانون وكانت تنص على ألا تزيد نسبة رأس المال الأجنبى فى
الشركات المساهمة عن 49%
فأصبحت تنص على أنه يجب تخصيص 49% على الأقل من أسهم
الشركات المساهمة
للمصريين عند التأسيس أو زيادة رأس المال ويجوز زيادة النسبة بقرار من وزير التجارة والصناعة بالنسبة للشركات ذات الصبغة
القومية وإذا لم تستوف النسبة فى
مدة لا تقل عن شهر فى حالة الاكتتاب العام جاز تأسيس الشركة دون استيفاء النسبة – وكان الهدف من هذا التعديل هو اجتذاب رأس
المال الأجنبى للمساهمة فى التنمية الإنتاجية 0
ثم صدر
بعد ذلك القانون رقم156 فى 2ابريل 1953 الذى حدد أسلوب معاملة رأس المال الأجنبى حيث حددت القنوات الشرعية التى يرد من
خلالها ( سواء نقدا أو عينا
أو فى شكل حقوق معنوية ) وحدد شروط تحويل الأرباح بما لا يتجاوز 10% بالعملة
الأصلية كما أجاز تجاوز هذه النسبة فى حدود ما يحققه الاستثمار الأجنبى من عملة أجنبية كما أجاز إعادة تحويل رأس
المال الأجنبى بعد خمسة سنوات بما لا يتجاوز خمس
القيمة المسجل بها 0وحددت المادة
الثانية فى هذا القانون شرط الانتفاع أن يوجه رأس المال الأجنبى إلى الاستثمار فى مشروعات التنمية
الاقتصادية ( الصناعة-الزراعة – التعدين –القوى المحركة
– النقل – السياحة ) ويبت فى الطلب فى خلال شهور ثلاثة من تاريخ
تقديمه تفاديا للإجراءات التشريعية والإدارية الحكومية وتفاديا للتعقيدات وتضارب الاختصاصات بين الجهات
المعنية – وفى هذا الصدد أيضا صدر
القانون رقم 325لسنة1952 والقانون رقم 324لسنة1953 خاصا بالرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة حول المواد
الأولية ومستلزمات الإنتاج والعوائد وما إلى
ذلك وكان الغرض من كل هذا التشجيع العملى على الاشتغال بالإنتاج من أجل التصدير 0
كما صدرت
قوانين أخرى أبرزها القانون رقم 430لسنة1953 وقانون الشركات العام رقم26لسنة1954 الذى عدل
بالقانون رقم 155لسنة1955 وهى قوانين استهدفت تحقيق
توازن عادل بين مبدأ التيسير على المتعاملين والحرية الاقتصادية ومبدأ حماية حقوق المدخرين لحثهم على الإقبال على
الاستثمار 0
لقد أردت
قاصدا أن أذكر أرقام وتواريخ وأهم عناصر هذه القوانين لسبب هام هو
أن يرجع إليها الباحثين لما تحويه
موادها من ضوابط وقيود وتسهيلات تحدد
المسئوليات والاقتراض وشغل عضوية أو الجمع بين عضوية البنوك المقرضة والشركات وتحديد الحد الأقصى لعضوية
الشركات وشروط السن لأعضاء مجالس
الإدارات والحد الأقصى لما يحصل عليه أعضاء مجالس الإدارة من مكافآت وعناصر كثيرة أخرى نعيش سلبياتها ومآسيها من بعد منتصف
السبعينات حتى الآن 0
لقد حاولت
ثورة يوليو منذ اللحظة الأولى إزالة العقبات التى كانت تحول دون المساهمة الجادة لرأس المال الخاص
وطنيا كان أم أجنبيا بعد أن قضت على
الصيغ الإقطاعية والاحتكارية فى الوقت الذى كانت تبذل جهودها لإزالة ما ظل عالقا بالاستقلال السياسى من شوائب 0وبالمناسبة فعند قيام
الثورة فقد كان رؤساء مجالس إدارات الشركات ينقسمون
كالآتى:
21% مصريون مسلمون .
4% مصريون مسيحيون.
30% أوربيون .
18% يهود .
8% يونانيون .
11% متمصرون .
ووفقا للتوصيات التى قدمها خبراء الأمم المتحدة وفى مقدمتها
التوصيات التى صاغها مجموعة من
أساتذة الاقتصاد ضمت آرثر لويس أستاذ الاقتصاد فى جامعة مانشستر البريطانية والبروفيسور تيودور شولتز من
جامعة شيكاغو ومعهما أستاذان من
الهند وشيلى وكانت أولى التوصيات التى قدمتها هذه اللجنة تحت عنوان " إجراءات التنمية الاقتصادية للدول المتخلفة " هى الحث
على دور كبير للدولة يبدأ بإنشاء
قطاع عام قوى لاسيما فى مجالات ذات أهمية محورية لدفع التنمية التى يعجز القطاع الخاص الناشئ على توليها ، فأنشئ
المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى
فى اكتوبر1952 بموجب القانون رقم 213لسنة1952 كهيئة مستقلة تلحق
برئاسة مجلس الوزراء المصرى وكانت مهمة المجلس بحث ودراسة المشروعات الاقتصادية التى يكون من شأنها تنمية
الإنتاج القومى وأن يضع بحث فيما لا
يتجاوز عاما واحدا برنامجا اقتصاديا للتنمية يتوخى تقديم المشروعات الأكثر إنتاجا والأيسر تنفيذا والأقل تكلفة لينفذ على مراحل سنوية
أقصاها ثلاث سنوات ويشرف المجلس على تنفيذ
المشروعات والبرامج بعد إقرار مجلس الوزراء كما
حررت إجراءاته من القواعد الروتينية0
ولقد قام
المجلس بدور هام فى مختلف مشروعات التنمية التى تمت خلال السنوات الخمس الأولى للثورة فى مجالات الرى والتوسع الزراعى
وتكرير البترول وأنابيب البترول وتنمية الثروة
المعدنية والمواصلات ودراسة مبدئية لمشروع السد
العالى ووضع مشروعات الحديد والصلب ومصنع السماد وكهربة خزان أسوان والكابلات والورق والبطاريات والإطارات
والجوت والخزف والصينى وغيرها 00
واستحدثت الثورة مبدأ جديد هو تخصيص نسبة مئوية من نفقات
المشروعات للأبحاث والدراسات التى تم منها على سبيل المثال :
حصر وتقويم الاحتياجات
والموارد الصناعية – أبحاث الهيئة الدائمة لاستصلاح الأراضى –صناعة السيارات – صوامع الغلال –
المقننات المائية – الصرف – زيوت
التشحيم – الحوض الجاف والترسانة البحرية – صناعة الورق – كهربة مصر كلها على مدى عشرين عاما 0
وحدث متوازيا
مع هذه الأمور كلها توسعا كبيرا فى المصانع الحربية المملوكة بالكامل للدولة والتى دخلت فيما بعد ميادين الإنتاج المدنى
كذلك ، ولقد كانت تلك المصانع مدرسة جامعة
للكوادر الفنية والإدارية المنتجة حتى اليوم 0
ولتفادى التضارب
والإسراف والتعارض ولتوفير الجهد والمال ولتعظيم العائد صدر قرار مجلس الوزراء فى 31ديسمبر1952 يستهدف إنشاء إدارة
للتخطيط والتنسيق وأشير فى القرار
إلى أن نظام التخطيط والتنسيق تأخذ به الآن كل الدول المتقدمة على اختلاف مذاهبها السياسية وأحوالها الاجتماعية
والاقتصادية – ثم أنشئت اللجنة العليا
للتخطيط والتنسيق برئاسة رئيس مجلس الوزراء أو من ينوب عنه وتضم
وزير المالية ومقررى اللجان الوزارية للتخطيط وممثلى وزارات الخارجية والحربية والبحرية والإرشاد القومى
وثلاثة أعضاء من مجلس الإنتاج – ولها
أن تضم مراقبين أو خبراء خارجيين وتعمل فى مجالات أربعة:
*شئون الميزانية والمالية 0
*شئون الإدارة العامة لتحسين الإدارة الحكومية المنفذة ورفع
مستوى الكفاية الإدارية 0
*شئون التخطيط لفحص المشروعات والتنسيق بينها ومتابعة التنفيذ
وإعداد الخبراء0
*التعبئة العلمية 0
وكل هذا
يعنى تعبئة القدرات العلمية والفنية وتوجيهها نحو الإسهام فى خدمة قضايا التنمية والربط بين البحث العلمى والاحتياجات
التطبيقية ووضع أهل الخبرة فى
خدمة قضايا الدولة0
وعندما أتسع
نشاط الخدمات صدر يوم 17 اكتوبر1953 القانون رقم493لسنة 1953
بإنشاء المجلس الدائم للخدمات ليشرف ويرعى
النهوض الاجتماعى ويربط بينه وبين
برامج التنمية الاقتصادية وكان من اختصاصه السياسة العامة ووضع الخطط الرئيسية للتعليم والصحة والعمران
والشئون الاجتماعية والقوى البشرية 0
ولقد كانت
إدارة التعبئة العامة والإحصاء ( تتبع وزارة الحربية ) –كان لها مندوبين فى كل من مجلس الإنتاج ومجلس الخدمات مما أفاد فى
تمكين هذه الإدارة من جمع المعلومات وإجراء
الدراسات المتعلقة بقناة السويس حتى يمكن الاستعداد لتأميمها دون لفت الأنظار وهو ما سأتعرض له تفصيلا
فى فصل آخر 0
وكان من
أهم أدوات التنسيق فى قطاع الخدمات الوحدات المجمعة التى راعت تكامل الخدمات فى التجمعات السكانية فى الريف فضلا عن حفزها
الشباب للعمل فى الريف مع تغطية أوجه النقص فى
مجالات هامة كمكافحة الدرن والأمراض
المتوطنة ( الإنكلستوما والبلهارسيا ) وتوفير
مياه الشرب فى الريف وبناء المساكن
والمستشفيات 000الخ0
ولقد كان
لتشكيل المؤتمر المشترك من قيادة الثورة والوزراء وهو ما تضمنه الإعلان الدستورى الصادر فى 10فبراير1953 للنظر فى السياسة
العامة للدولة أثره فى دفع عجلة التقدم فى كافة
المجالات الإنتاجية والخدمية فى تلك
الفترة
وفى 13يناير1957 صدر القانون رقم 20لسنة57 بإنشاء المؤسسة الاقتصادية
وآلت إليها ملكية
أنصبة الحكومة فى رؤوس أموال الشركات المساهمة وتحددت أغراض المؤسسة
الاقتصادية فى الآتى :
*تنمية الاقتصاد القومى عن طريق النشاط التجارى والصناعى
والزراعى والمالى 0
*وضع سياسة استثمار أموال المؤسسة وتوجيهها فى المنشآت التى
تساهم فى رأسمالها
*القيام نيابة عن الحكومة بالتوجيه والإشراف على المؤسسات
العامة 0
( يرجع لتفاصيل القانون والقرارات التكميلية والضوابط بما فيها
الخضوع لرقابة ديوان المحاسبات 0)
وقامت المؤسسة
الاقتصادية فى غمرة أحداث هامة ترتبت على خوض الثورة معركة الإستقلال الإقتصادى سواء باسترداد
ملكية قناة السويس فى أكبر وأخطر معركة
تأميم لراس المال الأجنبى تخوضها دولة نامية والإصرار على تنفيذ مشروع حيوى للنهوض بالقاعدة الإنتاجية الزراعية والصناعية وهو
السد العالى الذى درسه مجلس
الإنتاج وأبدى البنك الدولى استعداده لتمويله وكان هذا مكملا للمواقف
الصلبة فى وجه الاستعمار سواء برفض حلف بغداد وسياسة الأحلاف عموما أو العمل على تصفيته بدفع حركة عدم الانحياز فى
مؤتمر باندونج سنة1955 ، وهكذا اتضح بجلاء أن رأس المال الأجنبى لم يكن فقط مترددا أو يعانى من ندرة بل هو مضاد بطبيعته
للتحرر الإقتصادى فالبنك الأهلى كان
قائما بأعمال البنك المركزى غير أن سيطرة المصالح الأجنبية عليه جعلته يحجم عن إحدى أهم وظائفه وهى إقراض الحكومة ، لذلك أصدرت
الحكومة المصرية فى ربيع 1955 قانونا يلزمه بأن
يضع تحت تصرف الحكومة ما فى حوزته من نقد أجنبى
، ولم تكن الرأسمالية المحلية أقل تعنتا فى
التعامل مع الدولة فى
توجهها نحو التنمية على الرغم من القرارات التى استهدفت تشجيعها وكان أحمد عبود باشا يؤكد سطوته بالتخلف عن دفع الضرائب فقامت
الحكومة بفرض الحراسة على شركتى
السكر والتقطير وأعيد تنظيم الشركتين فى شركة واحدة تمتلك الحكومة
50% من رأسمالها ،
غير أن المواجهة الصريحة مع رأس المال الأجنبى جاءت فى سنة1956 مع العدوان الثلاثى حيث رفضت البنوك
تمويل القطن وما أن انسحبت قوى
العدوان حتى أعلنت الثورة قوانين التمصير التى شملت البنوك وشركات
التأمين ووكالات الاستيراد وهكذا وجدت الثورة نفسها فجأة مسئولة عن عدد من المنشآت الاقتصادية وبناء عليه صدر قانون إنشاء
المؤسسة الاقتصادية –0
لم تكن
نشأة القطاع العام ، كما يردد البعض ، على حساب رأس المال الوطنى بل من خلال استثمار عام ومن خلال استرداد الشعب حقوقا
اغتصبها الأجانب والمتمصرين نتيجة سوء تصرف ولاة الأمور
فى مصر ، وفى ظل امتيازات أجنبية
أعفتهم من دفع الضرائب التى كان يتوجب دفعها من أجل إقامة المرافق التى مولها الفلاح المصرى الذى اغتصبت حقوقه 0
ومع نشأة
وزارة الصناعة سنة1956 اعتمد برنامج التصنيع الأول فى1957 بعد
الحصول على قرض من الاتحاد السوفيتى
لتنفيذه وتكونت هيئة السنوات الخمس وتوسعت المصانع
الحربية فى الإنتاج المدنى وتم الاتفاق مع الاتحاد السوفيتى على بناء السد العالى وشكلت الهيئة العامة للسد العالى 0
واستمرت الدعوة
لرأس المال الوطنى والمحلى للإسهام فى التنمية ولكنها كانت دعوة من جانب واحد لم يقابلها استجابة بل توقف النشاط الخاص عن
أعمال الصيانة وزاد أن حاول
البعض بطرق غير مشروعة تهريب رؤوس أموالهم للخارج مما ترتب عليه صدور القرارين فى 13فبراير1960 بتأميم البنك الأهلى وبنك
مصر وهو ما أتاح للثورة السيطرة على شركات كانت تتولى
20% من الإنتاج الصناعى رغم بقاء ما
يساهم به الأفراد فى تلك الشركات 0
وقامت وزارة
الصناعة بوضع برنامج خمس سنوات للتصنيع يتكلف 255مليون جنيه ( كان الجنيه يعادل أكثر من ثلاثة دولارات فى ذلك الوقت ) –
ويرفع نصيب الصناعة من 11% من الدخل القومى إلى 19% -ووضع
البرنامج قواعد للأولويات تضمنت كافة
تكلفة المشروع وحاجته من النقد الأجنبى والعائد المتوقع منه وما يضيفه إلى الطاقة الإنتاجية ويستخدمه من عناصر وعمالة
وعلاقة المشروع بالمشروعات الأخرى وأهميته للتنمية إضافة
إلى الاعتبارات الإستراتيجية 00
وقدر أن تستغرق المرحلة الأولى ثمانية عشر شهرا يليها أربعة مراحل سنوية ، واتضح مما تقدم أن الاهتمام بالتنمية يتطلب نظرة شاملة
متكاملة فصدر قرار رئيس الجمهورية
رقم78لسنة1957 بشأن التخطيط القومى وأدمج مجلسى الإنتاج والخدمات فى لجنة التخطيط القومى 0
وكان التخطيط الذى لجأت إليه الثورة كأى تخطيط تلجأ إليه
دولة نامية هو تخطيط من أجل التنمية وليس بديلا للسوق فى إدارة الاقتصاد 0
وتطورت الأمور
حتى وصلت إلى تشكيل 57 لجنة فرعية للتخطيط ضمت صفوة الخبراء المتخصصين من مختلف أجهزة البحث العلمى
ورجال الجامعات والفنيين وعدد من
الوزراء ومحافظ البنك المركزى وآخرين 0
وعقب إعداد
المشروع المبدئى لإطار الخطة العامة (1960/1961 – 1964/1965 ) وعرض مشروع الخطة على الشعب من خلال المؤتمر العام للاتحاد
القومى فى منتصف 1960 – وكانت الخطة الأولى التى تكاملت
الأجهزة التخطيطية وتضافرت القدرات البحثية
ومشاركة التنظيم السياسى الجماهيرى مع مراعاة وتنسيق بين خطتى إقليمى الجمهورية العربية المتحدة ( سوريا ومصر ) –وكان
الهدف مضاعفة الدخل القومى خلال عشر سنوات
لقد قال جمال عبد الناصر فى هذا الصدد فى خطابه أمام
المؤتمر العام للاتحاد القومى يوم9/7/1960ما يلى :
"
كان مهما بالنسبة لنا أن تنجح الخطة فى أهدافها لمضاعفة
الدخل القومى فى عشر سنوات ، فلقد كان أكثر أهمية
أن تنجح الخطة فى أهدافها الاجتماعية ،
كان عليها أن تكون أداة إنتاج وفى نفس الوقت كان عليها أن تكون أداة عدل 0
وما كان يمكن
أن تكون هناك خطة اقتصادية دون هدف اجتماعى بل لقد كان يمكن أن تؤدى الخطة إلى عكس المقصود منها ، إذا كان الاهتمام
يوجه إلى ناحيتها الاقتصادية مجردا من كل وعى اجتماعى 0
كانت الخطة
فى تلك الحالة لا تضع إلا أن تزيد الأغنياء غنى ، وتزيد الفقراء فقرا ، وتزيد بالتالى
الهوة بين الذين ملكوا الغنى بالوراثة ، وبين الذين لم يمتلكوا بالوراثة غير الفقراء ، وبالتالى يضيع أساس
الاستقرار الوطنى الوحيد وهو
العدل الاجتماعى 0 كذلك فقد
كان مستحيلا دون خطة اقتصادية واجتماعية ، وفى نفس الوقت أن تطور الخدمات العامة كما طورنا وسائل الإنتاج 0 وكان ذلك يستتبع بالتالى أن يقوم القطاع العام بدور حيوى فى التطوير الصناعى ، وأن يقوم التعاون بنفس الدور فى التطور
الزراعى ، ولقد بدأ وجود القطاع العام على نطاق
متسع فى الصناعة وفى أعقاب الخطوة الرائعة التى
تعتبر أبرز مكاسب حرب تثبيت الإستقلال سنة1956 ،وأعنى خطوة تمصير الجزء الأكبر من الممتلكات البريطانية والفرنسية فى مصر 0
وإذا كان
التمصير هو بداية أتساع القطاع العام وتقوية نشاطه ، فلقد كان من أهداف الخطة بل وكان أيضا من ضمانات نجاحها أن تزداد قوة
هذا القطاع العام الذى يملكه
الشعب بمجموعه "0
وفى خطاب آخر لعبد الناصر يوم 16/10/1961 قال :
"لقد أصبح
لدينا الآن قطاع عام فى الاقتصاد قوى ، يملكه الشعب بمجموعه وهو فوق أثره الاجتماعى ، طليعة قادرة على فتح الطريق أمام
التنمية الاقتصادية وفى جميع المجالات
0 وإننا لنفخر أن النواة الأولى لهذا القطاع العام كانت جميع
المؤسسات الاحتكارية البريطانية والفرنسية والبلجيكية ، ثم أضفنا
إلى هذا القطاع العام ما قمنا نحن
بإنشائه طبقا لبرامج التنمية خلال السنين الأخيرة
، ثم استكمل هذا القطاع قوته بما تم تأميمه أخيرا
بمقتضى مجموعة
القوانين الاشتراكية التى صدرت فى شهر يوليو من هذا العام ، وبهذا أصبحت القوة العاملة لهذا القطاع تمثل رأسمال لا يقل عن ألف
مليون جنيه ، بينما الطاقة المتحركة
لرأسمال هذا القطاع تزيد على هذا المبلغ عدة مرات بقوة اندفاع
متزايدة ، قادرة على تحريك مجالات التطوير فى الزراعة وفى الصناعة بوجه خاص 0"
وعلى الرغم
من التأميمات المتتالية التى شهدتها السنوات السابقة على الخطة فإن كل حالة كان لها ما يبررها ولم يصل الأمر لاتخاذ موقف
عام من رأس المال الخاص بل
أفسحت له الخطة مجالات للنشاط محملة القطاع العام عبء المشروعات الضخمة منخفضة الربح كالسد العالى واستصلاح الأراضى
والتعدين فضلا عن الخدمات 0
ولقد حققت
بعض الأنشطة كالمقاولات أرباحا ضخمة نتيجة للتوسع السريع فى الإنشاء والتشييد ومع ذلك ظلت الرأسمالية
المصرية محجمة عن المساهمة فى التنمية بل سعى
بعضهم فى تصفية أعمالهم وتهريب أموالهم للخارج ، فكان لابد من سد منافذ التهريب وتولى القطاع العام أمر الأنشطة الحيوية
اللازمة لاستمرار عملية التنمية
0
وشهد شهر
يوليو 1961 ( السنة الثانية للخطة ) تحولا نحو استكمال معالم
المجتمع الاشتراكى ، فأصدر
جمال عبد الناصر مجموعة من القوانين سميت بالقوانين الاشتراكية كانت تهدف أساسا لإعطاء العمال والفلاحين والفئات
الوسطى حقوقا عادلة فى الناتج القومى بالإضافة
إلى تحقيق عدالة التوزيع 0
فصدرت القوانين أرقام 111لسنة1961بتوزيع الأرباح على عمال المؤسسات
والشركات بتخصيص 25% من الأرباح المعدة للتوزيع للموظفين
والعمال ( 10% توزع مباشرة و5% للخدمات الاجتماعية والإسكان و10%
لأداء خدمات اجتماعية مركزية)
والقانون114لسنة1961 بإشراك العمال فى مجالس إدارات الشركات والمؤسسات 0
والقانون127لسنة1961 بشأن تعديل قانون الإصلاح الزراعى 178لسنة1952 حيث خفض
الحد الأدنى للملكية الزراعية إلى مائة فدان
والقانون128لسنة1961 بتخفيض
ما لم يؤدى من ثمن الأرض الموزعة أو التى توزع على المنتفعين بالقانون 178لسنة52 وكذلك الفوائد المستحقة عليهم إلى النصف 0
والقانون133لسنة1961 بجعل
الحد الأعلى لساعات العمل 42( اثنين وأربعون ) ساعة أسبوعيا وعدم جواز تشغيل العمل فى أكثر من مؤسسة واحدة وذلك بهدف
زيادة عدد العاملين مع عدم جواز
تخفيض الأجر الإضافى 0
والقانون168و169لسنة1961 بتخفيض أجور الأماكن التى أنشئت بنسبة 20% وتقرير إعفاءات
عن الضريبة على العقارات المبنية التى لا يزيد متوسط
إيجار الحجرة فيها على ثلاثة جنيهات
وخفض الإيجارات بمقدار الإعفاءات 0
والقانون113لسنة1961 بفرض
حد أعلى للمرتبات فى أى شركة أو مؤسسة عامة خمسة آلاف جنيه فى السنة شاملة لجميع العلاوات والبدلات أيا كانت الصفة اعتبارا من
أول أغسطس1961
والقانون115لسنة1961 بتعديل
قانون الضريبة العامة على الإيرادات وجعلها ضريبة تصاعدية على الإيراد الكلى الصافى بمعدل يبدأ ب 8% للألف الثانية ورفع
سعر الضريبة على الشرائح العليا ليصل إلى 90% لما
يتجاوز عشرة آلاف جنيه
والقانون129لسنة1961 بتعديل
الضريبة على العقارات المبنية وذلك لإيجاد توازن بين حق الفرد للملكية وحق المجتمع من خلال تصاعد تلك الضريبة وإعادة
توجيه المدخرات إلى مجالات التطوير
التى تتوجه إليها خطة التنمية وذلك بعد أن فضل الكثيرين من المدخرين تجميد مدخراتهم فى المساكن ذات الأجور العالية
مبتعدين عن مجال الصناعة 0
وأعتبر أن
هذه القوانين ميزان ثابت من موازين العدل سواء من ناحية مشاركة
الأمة فى ملكية وسائل الإنتاج أو
مشاركة الأمة فى عائدات هذا الإنتاج فهو ليس طريقا
لمصادرة الملكية وإنما هو طريق لتوسيع قاعدتها
كما صدرت القوانين:
117لسنة1961 بتأميم
مائة وتسعة وأربعين شركة شملت سبعة عشر بنكا وسبعة عشر شركة تأمين ومائة وخمسة عشر شركة أخرى تعمل فى مجلات مواد البناء
والسلع المعدنية اللازمة للتشييد وشركات نقل عام
وملاحة بحرية 0
والقانون118لسنة1961 بإشراك
القطاع العام فى واحد وتسعين شركة عن طريق مساهمة إحدى المؤسسات العامة بما لا يقل عن 50% من رأسمالها وشملت القائمة شركات
المقاولات والتجارة والسجاير والبترول والمنسوجات
0
القانون119لسنة1961 بتحديد ملكية الفرد فى مائة وتسعة وخمسين شركة بما لا
يتجاوز عشرة آلاف جنيه وتؤول ملكية الزيادة إلى الدولة 0
القانون120لسنة1961 بتنظيم منشآت تصدير القطن0
القانون121لسنة1961 بنقل ملكية منشآت مكابس القطن إلى الدولة 0
القانون122لسنة1961 بإسقاط التزام شركة ليبون وإنشاء مؤسسة عامة للكهرباء
والغاز0
القانون123لسنة1961 بإسقاط التزام مرفق ترام القاهرة 0
وقد حولت أسهم تلك الشركات إلى سندات اسمية أو قابلة للتداول على الدولة لمدة
خمس عشرة سنة بفائدة 4% حسب آخر إقفال فى البورصة 0
إن هذه
القوانين تشير إلى أن الحتميات الموضوعية للتنمية هى التى دفعت
باتجاه التحول الاشتراكى وليست لاعتبارات
أيديولوجية ، فمن ناحية اتضح أن القطاع
الخاص إما أساء اختيار قنوات الاستثمار بالابتعاد عن ما رصدته له الخطة من مجالات أو عمل على تهريب مدخراته للخارج بالرغم من الحوافز
التى قدمت له طيلة الخمسينات ، هذا علاوة على أن
القطاع الخاص استثمر تحويل مدخراته فى
عمليات التشييد والبناء مستغلا فرصة الطلب المتزايد بسبب التسارع الذى استهدفته الخطة فى معدلات الاستثمار
فعمد إلى رفع الأسعار وجنى أرباحا
طائلة لم يعيد ضخها فى الاستثمار وجل ما قام به هو الاستثمار فى الإسكان فوق المتوسط بما لم يحل مشكلة الإسكان بل ساهم فى رفع الإيجارات 0 وهنا أحب أن أشير إلى نقطة تعتبر ذات دلالة على أن هذه
التأميمات لم تكن تعنى أشخاص بذاتهم
بل كانت تطبق مبدأ وخط إستراتيجى اقتصادى عام ألا وهو مبدأ الكفاية
والعدل ، ومما يدل على أن المسائل لم تكن أبدا تمس الأشخاص أن كل شركات المقاولات مثلا التى كانت بأسماء أشخاص بقيت على
نفس التسمية بعد تطبيق القانون ، فبقيت شركات عثمان
أحمد عثمان وحسن علام ومختار إبراهيم ..الخ .
وقد تبع
ذلك أن عدل قانون العمل فصدر القانون رقم 102لسنة1962 بتحديد حد
أدنى للأجور فى المنشآت الصناعية قيمته
خمسة وعشرين قرشا فى الساعة 0
وفى 26مايو1962 صدر ميثاق العمل الوطنى الذى حسم النظام الإقتصادى
لصالح الاشتراكية وسيطرة الشعب على أدوات الإنتاج وما استتبع ذلك من صدور المزيد من القرارات الاشتراكية وذلك لتوفيق الأوضاع فى أسلوب
إدارة الاقتصاد الوطنى ومنشآته وللحيلولة دون تعرض الاقتصاد
للاختلال 0
وكانت معدلات
تحقيق الأهداف من الارتفاع بما جعل تلك الفترة تشهد طفرة فى أداء الاقتصاد الوطنى بما مكن الثورة من
المضى فى التنمية القائمة على الاعتماد
على النفس0 بمعنى أن يسعى الاقتصاد إلى تعظيم قدرته الادخارية وتعبئة مدخراته ويحسن توجيهها وأن دور رأس المال الأجنبى مكمل
ويأتى فى المجالات وبالشروط التى تهم الاقتصاد والتوسع فى المجالات المتميزة محليا يخلق قاعدة إنتاجية متنامية إذا لم ننفق على سلع لا تتمشى مع
متطلبات التنمية 0
ومن الأهمية
بمكان أن نشير إلى تقرير البنك الدولى الذى اعترف بحجم النمو الإقتصادى فى تلك الفترة خصوصا وانه صدر
فى سنة 1976 أى بعد عشر سنوات من
إتمام الخطط الخمسية حتى سنة 1965 ونص التقرير على الآتى :
أولا : التقرير صدر برقم 870 a
واشنطن فى 5يناير 1976 الجزء الخاص بمصر 0
ثانيا: أن نسبة النمو الإقتصادى فى مصر كانت بمعدل6ر2% سنويا بالأسعار الثابتة
الحقيقية
ثالثا : ارتفعت نسبة النمو هذه فى الفترة من 1960 حتى 1965 إلى معدل وصل إلى 6ر6%
وهذا يعنى
أن مصر استطاعت خلال عشر سنوات أن تقوم بتحقيق تنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة عن عام
1952 فى الوقت الذى لا تتجاوز معدلات النمو فى
دول العالم الثالث نسبة لا تزيد عن 5ر2% سنويا
0
وهنا أيضا أجد لزاما على أن أستعرض أوضاع القطاع الخاص
المصرى سنة 1961 كانت باختصار شديد كالآتى :
*أكثر من 66% من الاقتصاد المصرى كان بيد القطاع الخاص المصرى 0
*الزراعة المصرية كلها قطاع خاص 0
*79% من التجارة قطاع خاص 0
*76% من شركات المقاولات قطاع خاص 0
*56% من الصناعة قطاع خاص 0
وفى هذا
الصدد أحب أن أؤكد على أن قوانين التمصير ثم التأميم قد صدرت فى
حدود الشرعية الكاملة وكانت محتومة ، لم
تغتصب حقا أو تصادر ، ولكن حررت الثروة
ووزعتها بالعدل على طبقات الأمة وفئاتها العاملة ( الفلاحين والعمال والملاك والرأسمالية الوطنية ) ولبناء مجتمع الكفاية والعدل
للجميع 0
وحينما صدرت
القوانين الاشتراكية كان سفير الولايات المتحدة الأمريكية قى
القاهرة جون بادو وكان من قبل رئيسا
للجامعة الأمريكية فى القاهرة وعاش فى مصر لأكثر
من الثلاثين عاما ولقد كتب الرجل فى مذكراته التى أشرت إليها فى مكان آخر من هذه المذكرات بالتفصيل ما نصه الآتى :
"
حينما صدرت هذه القوانين ثارت ضجة حولها فقررت تكوين فريق
عمل من رجال السفارة لدراستها بدقة وانتهينا إلى
أن حجم القطاع العام الجديد فى مصر
أقل منه فى إسرائيل وفى الهند وفى فرنسا وفى بريطانيا بل وفى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ، وانه لا يصادر القطاع الخاص أو
يغلق الطريق أمامه بل على العكس سوف يحفزه
ويدفعه للمنافسة فى ظل اقتصاد مختلط كما حدث فى
هذه الدول 0
ويقول السفير
باد أيضا فى تقريره للرئيس الأمريكى كينيدى بعنوان " The American Approach To The Arab
World “ :" ولمزيد من الاطمئنان من جانب واشنطن فقد أوفد الرئيس جون كينيدى مبعوثا
خاصا هو الدكتور إدوارد ماسون أستاذ
الاقتصاد المشهور وبعد أن قام بدراسته المفصلة للقوانين وللأوضاع فى مصر قدم تقريرا يتلخص فى أنه لم يكن أمام ناصر (عبد
الناصر ) طريق آخر أو أفضل
0"
وكانت الثورة قد وفرت كل المقومات والحوافز للقطاع الخاص فى التنمية
وعلى مدى عشر سنوات ولكنه استغرق فى
الاستثمارات السريعة الربح خاصة الإسكان الفاخر ولم
يدرك المسئولية نحو المشكلة الاجتماعية المزمنة والمتفاقمة ولم يكن هناك مناص من التحول والتغيير ومواجهة التحديات الملحة
وغير المتكافئة 0
ونجحت التجربة
فنفذت الخطة الخمسية الأولى التى اعتمدتها الأمم المتحدة واعتبرتها نموذجا للتنمية فى العالم الثالث
وتوافدت على مصر بعثات وخبراء من مختلف
أنحاء العالم للبحث ودراسة التجربة والاستفادة من دروسها واقتباس ما يفيد الدارسين لبلادهم 0 ومنهم من وفد من بلدان
أوروبية وبالذات من سويسرا ( يرجع للوثائق حول هذا الموضوع بالذات )0
وفى الحقيقة
لم يسبق أن نما القطاع الخاص وامتد وازدهر مثلما فعل تحت مظلة القطاع العام وولايته فى إطار الاقتصاد المختلط المتكامل
المتنافس لتحقيق هدف وطنى مشترك وكان هذا هو
الميلاد الحقيقى للقطاع الخاص المصرى إذ تحرر من
احتكار الأجانب والمتمصرين وتوافرت له كل المقومات والحوافز
المشروعة وفتحت أمامه كل الأسواق التى لم
ينفذ إليها من قبل 0
وكانت النتائج
التى تحققت دافعا لمواصلة الطريق وإعداد خطة ثانية طموح لمدة عشر سنوات ، وأعلنت مصر أن الهدف سوف يكون
دخول عصر الصناعة الثقيلة والزراعة الكبيرة
، وسوف تكون مصر دولة صناعية زراعية تجارية سياحية
عصرية والعمود
الفقرى لتحرير وتنمية الاقتصاد العربى عامة 0، وسوف تلحق التجربة المصرية والعربية فيما بعد بتجارب العصر الكبرى
فى الصين والهند وتتدارك كل ما فاتها فاستدعيت
نواقيس الخطر وأجراس الخوف فى عواصم الغرب وفى ظل عصر السيادة
الأمريكية أصبحت قوة مصر تهدد المصالح الإمبريالية فان تسليح مصر يهدد إسرائيل وتصنيع مصر وقوة اقتصادها يهدد تدفق
البترول لأمريكا والغرب بصفة عامة
0
والشهادة فيما
أقول وفيما أقدر ، تأتى من العدو – من الجنرال الإسرائيلى
"ببليد" أحد قادة
حرب1967 وهو الذى غزا القدس فقد دعا هذا الجنرال إلى مؤتمر صحفى فى فبراير 1972 وفاجأ الكل بما لم يخطر على بال أو
خيال أحد فلقد أعلن أنه ضاق ذرعا
بسلسلة الأكاذيب والأساطير التى يعيش عليها الشعب فى إسرائيل منذ قيام الدولة وأنه قرر أن يستجيب لنداء ضميره وأن يعلن :
"
إن ذروة الغش والخداع كانت فى حرب 1967 التى أقنعنا
شعبنا والعالم أنها كانت دفاعية
ضد خطر داهم قادم من مصر والتى لم تكن فى حقيقتها سوى حرب عدوانية
قمنا بها لحساب الولايات المتحدة الأمريكية التى قررت أن عبد الناصر وحلفاؤه السوفيت قد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وإذا
لم يردعوا الآن سوف تفوت الفرصة 0"
وتحدى
" ببليد " جنرالات المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية أن يقر أحدهم أن الحرب كانت
دفاعية – ولم يرد أحد حتى الآن – وكانت أكبر فضيحة فى تاريخ إسرائيل وأعمق شرخ فى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وأعلن "
ببليد " أنه لا يمكن لدولة أن
تعيش للحرب وبالحرب وفى حالة حرب دائمة وأن ما تحتاجه إسرائيل هو السلام والسلام الآن ." كما أعلن عن قيام الحركة التى
غيرت الخريطة الإسرائيلية السياسية واعتزل ليدرس
الحضارة العربية 0"
وإذا كانت
الكوارث التى لا تقتل ، تصنع ، فإن هزيمة 1967 قد صنعتنا مرة ثانية من جديد تماما كما فعلت دنكرك ببريطانيا ، وبيرل
هاربور بأمريكا ، ووصول الجيوش الألمانية
إلى ضواحى موسكو 0 فنحن صمدنا ونحن هنا تعنى الشعب 00الشعب فى مصر وفى جميع أنحاء العالم
العربى بالدرجة الأولى وبالعالم الثالث
بعد ذلك ، صمدنا نحن الشعب ومعنا وبنا قيادة وطنية تجسد إرادة الصمود وقبول التحدى والتصدى له 00وكان القطاع العام هو
الأرض الصلبة التى واصلنا بها
السير إلى حرب الاستنزاف ثم إلى أكتوبر 1973 0
لقد اختلقت
أسطورة الانغلاق وأنه لابد من فتح النوافذ والأبواب والشبابيك ولم يحدث أن انفتحت مصر على العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا
وحصلت على أفضل ما لديه كما تحقق خلال الخمسينات
والستينات واستطاعت أن تحصل من الغرب ما لم
تحصل عليه من قبل، بل كان محرما عليها أن تستورده 0
فقامت ألمانيا
الغربية – فى ذلك الوقت – ببناء صناعة الحديد والصلب فى حلوان وصناعة الأسمدة والكيماويات فى أسوان علاوة على سلسلة من
محطات الكهرباء والكبارى الرئيسية والقناطر والدواء
وغيرها علاوة على الدراسات التى قام
بها كبار الاقتصاديين الألمان للأوضاع فى مصر خلال الستينات ( الوثائق ومحاضر الاجتماعات والتقارير والدراسات محفوظة فى أرشيف
سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكرى ، هذا علاوة
على تقرير زيارة إيرهارد الذى كان
ضيفا شخصيا على عبد الناصر وأقام فى قصر الطاهرة بالقاهرة) .
كما قامت
إيطاليا ببناء صناعة السيارات فى وادى حوف ( منطقة حلوان ) ثم ، وبأهم إنجاز تحقق كسر حصار البترول الذى فرضته الشركات
الغربية ( يرجع للوثائق التى تنشرها حاليا شركات
البترول الإيطالية فى مصر عن تاريخ وحجم التعامل
والتعاون منذ الستينات وفجر البترول بغزارة لأول مرة ) 0
وقامت الولايات المتحدة الأمريكية ببناء وتجهيز التليفزيون ومحطات
كهرباء ثم الفنادق الكبرى ومقومات السياحة
الدولية علاوة على بدء عمل كبرى شركات
البترول
" أموكو" من سنة 1964 فى مصر فى مجالى الكشف
والاستخراج 0
ثم عملت فرنسا من جانبها بعد حصولها على امتياز كهرباء
خزان أسوان القديم ثم التليفزيون والمساهمة فى كشف واستخراج البترول0
وكان التعاون
بين كل من بريطانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على أشده فى مجال تصنيع الدواء ولعل مصنع
شركة فايزر الأمريكية القائم فى منطقة ألماظة بمصر
الجديدة خير دليل على هذا التعاون
والانفتاح كما يقولون 0
لقد تسابقت
دول الغرب على الاستثمار فى مصر لأنها كانت تثق فى نزاهة وكفاءة النظام ولأنها لم تكن تريد أن تترك الميدان خاليا للاتحاد
السوفيتى والكتلة الشرقية 0
ولقد ساهم
الاتحاد السوفيتى فى بناء السد العالى أعظم الإنجازات ومدينة الألومنيوم والصناعات الإستراتيجية
والمزارع النموذجية وكان التنافس بين
الشرق والغرب حافزا للطرفين 0
فى الوقت
نفسه فلقد وضعت فى تلك الفترة أيضا الأسس لمشاريع مشتركة مع كل من الهند والصين كما تضاعفت المبادلات والعلاقات مع دول
العالم الثالث لبناء جبهة اقتصادية
تعزز عدم الانحياز وكان التعاون متصلا ومضطردا لم يتوقف مع قلاع
الصناعة الكبرى وليس مع رأسمالية المافيا أو الأموال المغسولة 0
لقد دفع
الشعب ثمن التضحية بالقطاع العام وبدلا من مجتمع الكفاية والعدل
الذى يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه
يقوم الآن وبعد ربع قرن من الانفتاح
المزعوم مجتمع مريض تتفاقم متنا قضاته كل يوم بل كل ساعة وتتربع على قمته حفنة من أصحاب البلايين والملايين كما لم يسبق فى تاريخ
مصر المحروسة على حساب محيط
متلاطم من محدودى الدخل وسكان القبور والعشوائيات 0
قد يكون من المناسب أن أتعرض باختصار لديون مصر فى
إبريل سنة 1971 ، ولقد كانت كلها ديون إنتاج وليست ديون استهلاك:
الاتحاد السوفيتى
385
مليون دولار ( السد العالى – التصنيع – الزراعة )
الولايات المتحدة الأمريكية
205
مليون دولار ( مستلزمات إنتاج – دخان – شحومات – قمح من
1958 حتى 1965 –صناعات دوائية )
إيطاليا
122
مليون دولار ( صناعة – صناعة دوائية )
ألمانيا الغربية
106
مليون دولار ( مستلزمات إنتاج – صناعات دوائية وكيمائية
– صناعة )
الكويت
130
مليون دولار
بالإضافة إلى ديون اقل لليابان وبعض البنوك الأجنبية
وكان الدين العسكرى للاتحاد السوفيتى يصل إلى حوالى 1700
مليون دولار من مجموع 2200مليون دولار سدد منها 500 مليون دولار 0
كما قدمت
دول البترول العربية لمصر حتى سنة 1971 مبالغ وصلت إلى 120 مليون جنيه إسترلينى مقارنة بمبلغ 122ألف مليون دولار قدمت
لمصر من هذه الدول فى الفترة من
1971حتى 1980 وكانت ديون مصر فى هذه السنة (1980 ) ، 14ألف مليون
دولار 0
ملحوظ هامة :
فى سنة 1971 كان الجنيه المصرى يساوى أكثر من ثلاثة
دولارات 0
وفى سنة 1980 كان الجنيه المصرى يساوى أقل من دولار
واحد 0
كما أجد أنه من المناسب أن أتعرض بشكل سريع للإنفاق
الخارجى للثورة :
بالنسبة للجزائر :
لم تتجاوز المساعدات التى قدمت للجزائر الستين مليون
جنيه وقد ردت الجزائر هذا المبلغ وربما أكثر خلال حرب أكتوبر 1973
بالنسبة لسوريا :
لم ننفق شىء
وكل ما
أخذته سوريا هو الحق فى حصيلة قناة السويس تستخدمه بالنقد الأجنبى
ولم تستعمل هذا الحق سوى مرة واحدة فقط فى حدود ستة مليون جنيه
والدم السورى الذى أريق فى السنوات 56و67و73 لا يقدر بثمن
0
بالنسبة لحلف بغداد : لم ننفق شىء 0
بالنسبة لليمن :
الإنفاق من
سبتمبر 1962 حتى 1967 حوالى 500 مليون جنيه والمساعدات التى حصلنا عليها فى قمة الخرطوم كانت أكثر من ذلك بكثير والمساعدات
التى حصلت عليها مصر بعد حرب 1973 تجاوزت الألف
مليون جنيه 0وهل تحرير اليمن والجنوب
العربى الذى امتد حتى إمارات الخليج العربى يقدر بمال ثم هل السيطرة على مدخل البحر الأحمر من الجنوب يقدر بثمن فى مقابل دماء
أبناءنا من كلا الشعبين اليمنى والمصرى التى روت تلك
الأرض العربية الطاهرة 0
والحل لهذه
العملية التى كثيرا ما تثار على أساس إقليمى قد يكون فيه طابع المنّ أقول أن الحل هو الدخول فى العالم العربى وليس الانسحاب
منه وأن تكون مصر طرفا فى
القضايا العربية وليست عضوا متفرجا وأن ما أنفق لم يكن ليحل مشاكل مصر لأن الحل هو السياسة النشيطة كما قلت وليس فى
الانطواء أو الانزواء
لقد استطاعت مصر عبد الناصر فى ظل هزيمة 1967 :
1ـ أن تعيد بناء القوات المسلحة فى زمن قياسى ( أشهر )0
2ـ
أن تتم بناء السد العالى 0 ( وما ترتب عليه من مئات المشروعات المدروسة ومنها توشكى وغيرها وثائقها موجودة فى جمعية السد العالى)
3ـ أن تثبت أسعار السلع الاستهلاكية للمواطن المصرى 0
4ـ أن تقيم مصنع الحديد والصلب0
5ـ أن تقيم مجمع الألومنيوم فى نجع حمادى ( فى صعيد مصر الذى
يدعى ظلما الآن أنه كان مهملا)
كل هذه
الإنجازات فى ظل دعم مائة مليون جنيه وفى غياب دخل قناة السويس
وغياب دخل البترول فى سيناء والسياحة
وعلاوة على أعباء تهجير منطقة قناة السويس بكاملها
إلى الدلتا والقاهرة بالإضافة إلى نقل معامل تكرير منطقة القناة ومصانعها إلى داخل الوادى .
لقد جاء فى تقرير رسمى لمعهد التخطيط القومى سنة 1997
بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائى ما يلى :
فى حصاد
ثمانية عشر عاما من الثورة حتى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر حققت
مصر من سنة 1960 حتى سنة 1967 أعلى
معدل تنمية فى العالم الثالث وأعيد توزيع الرزق
حتى بات الدخل القومى عام 1970 مناصفة بين عوائد التملك والأجراء فى مصر 00معدل
قياسى فى توزيع الدخل تراجع فيها الفقر بحيث أصبح نصف سكان مصر فقراء ( حوالى 48% )
الآن 1997 أصبح نصيب الملاك ضعف نصيب
الأجراء 0وليسمح لى القارئ أن أعلق على الأوضاع التى نعيشها الآن 0
إن سيطرة
رأس المال والهيمنة وأحادية القرار العالمى معادية للإنسانية ومعادية للحضارة والعدالة الاجتماعية علاوة على أنها تلغى
الهوية العربية وتعصر الفقراء لمصلحة الأغنياء
والأخيار لمصلحة الأشرار والطاهر لمصلحة العاهر
إن أصحاب
رأس المال يتفضلون بعد ذلك بالكلام عن الوطنية والديموقراطية ويبشروا بالحضارة والمدنية ، وفى هذا يحضرنى قول فولتير
:" اثنان ليحبان وطنهما 00
الغنى الفاحش الغنى 00 والفقير مدقع الفقر 0"
وإليكم بعض الأمثلة مما جنينا أخيرا :
الاتجار فى الأغذية الفاسدة وغيرها ، ثم الهروب إلى الخارج
دون حساب 0
الاقتراض من البنوك بضمان الأشخاص بملايين الجنيهات و
والهروب أو تهريب الناتج إلى الخارج 0
إفساد الصناعة الوطنية ( تكهين المصانع وبيع القطاع العام
ببلاش )
تجارة وعمولات تجارة السلاح والمخدرات وتهريب الأموال
للخارج وغسيلها 0
تبوير الأراضى الزراعية وردم البحيرات لبناء القصور 0
شراء ديون مصر بعد بيع مصر 0
دخول نواب المخدرات للمجالس النيابية
إلغاء انتخابات العمد0
تزوير الانتخابات 0 ( أحكام محكمة النقض بالمئات ) 0
المباهاة بالشذوذ 0( ورد على لسان أحد وزراء الصحة والسكان
فى مصر )
سفك الدم العربى بسلاح عربى 0
التخلى عن نساء المسلمين والسكوت على تلقيحهن بنطف الكلاب
ودفن رجالهم أحياء 0
السكوت على التمثيل بالرسول الكريم " صلعم" 0
عقد الاتفاقات والمعاهدات مع العدو تلك الاتفاقات التى مزقت الأمة
ومكنت الهيمنة السياسية والعسكرية
والاقتصادية على مقدرات الوطن الكبير 0
ماذا حدث لمجانية التعليم والعلاج وأين الإسكان الشعبى 0
والسؤال : هل العصمة بأيدينا ؟
بعد أن
حاولت أن أضع صورة سريعة وبقدر الإمكان واضحة لتجربة عبد الناصر فى التنمية أرجو أن يسمح لى القارئ أن أتعرض لأهم الفوارق بين
التطبيق العربى للاشتراكية والماركسية فى النقاط التالية
:
إن اشتراكيتنا تستند فى أساسها وتطبيقاتها على القيم الروحية
وتلتزم بما نادت به رسالات السماء ، وعلى سبيل
المثال تأخذ اشتراكيتنا بنظام الإرث وهو ما ترفضه
الماركسية0
إن اشتراكيتنا تؤمن بتذويب الفوارق بين الطبقات سلميا ولا تأخذ
بالصراع والعنف ، فهى تصفى
امتيازات ونفوذ الإقطاع والرأسمالية ولا تصفى الإنسان إنما تحرره من الاستغلال 0
إن اشتراكيتنا تحترم إنسانية الإنسان وتتيح له فرصة الحياة
الكريمة ولا تنظر إليه كترس
فى آلة وإنما ما عليها من واجبات وهى فى الوقت نفسه ترفض الأخذ بالماركسية التى تضحى بأجيال لم تطرق بعد
أبواب الحياة 0
إن اشتراكيتنا تؤمن بسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والهياكل
الرئيسية له ، وفى الوقت نقسه تتيح قدرا من المشاركة
لنشاط القطاع الخاص تحت الرقابة
الشعبية فلا تأخذ بالتأميم فى كل جزئيات الإنتاج كما هو الحال فى النظم الشيوعية ، وتعتبر الرأسمالية
الوطنية الغير مستغلة جزء أساسى من تحالف قوى الشعب العامل0
إن اشتراكيتنا تعطى القيادة ديموقراطيا لتحالف قوى الشعب العامل (
العمال والفلاحين والمثقفين والجنود
والرأسمالية الوطنية غير المستغلة ) وترفض أن تقوم
سلطة الدولة على دكتاتورية البروليتاريا 0
إن اشتراكيتنا فى التوزيع تقوم على مبدأ كل بقدر إنتاجه وعمله
وليس بقدر حاجته وفى هذا تكريم للعمل وإثارة
لحوافز الإتقان وزيادة الإنتاج بعكس
الماركسية التى تطبق مبدأ لكل حسب حاجته 0
إن اشتراكيتنا لم تأخذ بتأميم ملكية الأرض وإنما آمنت بالملكية
الخاصة فى قطاع الزراعة وبما لا يسمح
بالاستغلال عن طريق تفتيت الملكيات الكبيرة بمقتضى
قوانين الإصلاح الزراعى وزيادة عدد الملاك من صغار المعدمين من الفلاحين 0
ولخص جمال
عبد الناصر رؤيته فى كلمات قصيرة واضحة فقال" أنها بيت سعيد
لكل أسرة يقوم على عمل القادرين أو المهيئين
للعمل رجالا ونساء – مجتمع الرفاهية 00مجتمع تكافوء الفرص 00 مجتمع العدالة
الاجتماعية 0"لكل أسرة 0 وقال :
"
نحن المصريين ونحن العرب 00 نحن المسلمين والمسيحيين فى
هذه المنطقة من العالم نؤمن بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر ، ونؤمن بأن لكل
عامل جزاء عمله ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ونؤمن بأن لكل فرد فى كل جماعة كيانا فى ذاته وكيانا فى أهله وكيانا فى قوميته وفى بلده
، ونؤمن بحرية العمل وحرية الكسب وحرية النفقة
فيما لا يعود على المجتمع بمضرة ، ونؤمن فوق
كل ذلك بأخوة الإنسانية وبالتكافل الاجتماعى وبالإيثار القائم على الاختيار لتوثيق الروابط الإنسانية 0
ونؤمن بان
لكل فرد فى الدولة حقا وعليه واجبا يكافئ هذا الحق ، وان على الدولة لكل فرد فيها واجبا ولها عليه حقا يكافئ هذا الواجب ،
فهى تبعات متبادلة بين الحكام
والمحكومين ليس فيها قهرا ولا إذلال ولا تسلط ولا طبقات قليلة العدد من السادة وطبقة ضخمة من العبيد 00 هذا ديننا وذاك
دين الشيوعية 00 فلتؤمن الشيوعية بما تشاء 00فليس يعنينا
ما تؤمن به وما تكفر به ، وإنما
يعنينا أن نؤكد إيماننا بديننا الذى ندين الله عليه ونترسم دستوره فيما نعمل لأنفسنا ولقومنا 0
كل ما
بيننا وبين الشيوعية فى مذهب الحكم أو فى مذهب الحياة أن الشيوعية
لها دين ، ونحن لنا
دين ولسنا بتاركين ديننا من أجل دين الشيوعية 0"
وحول الخطة
الخمسية التى بدأ الإعداد لها من سنة 1957 بغرض مضاعفة الدخل القومى خلال أقصر فترة ممكنة قدر لها الخبراء عشرين سنة ولكن
كان الأمل الطموح أن يتم إنجازها
فى عشرة سنوات وذلك لمقابلة الزيادة السكانية الكبيرة5 ,2% فى الوقت الذى كانت الإمكانيات محدودة فى التوسع الزراعى
وكان التفكير فى التوجه نحو دفع عجلة الصناعة لإحداث
التوازن فى التنمية 0
وبعد أن
تم إعداد الهيكل العام للخطة عرضت على مجلس الوزراء فقسمت إلى خطتين خمسيتين أولى وثانية 1960 /1965 للأولى 0 التى كان هدفها
زيادة الدخل القومى بنسبة 40% مما كان عليه فى
سنة الأساس وقدرت الاستثمارات اللازمة
بحوالى 1576,9 مليون جنيه وبلغت الاستثمارات المنفذة مبلغ 1513
مليون جنيه أى بنسبة 5ر95% من الاستثمار
المستهدف – وبمتوسط سنوى قدره 6ر302 مليون جنيه
وهو يعادل 19% من الدخل القومى فى المتوسط خلال سنوات الخطة 0
ساهمت المدخرات القومية فى تمويل هذه الاستثمارات بمبلغ
6ر1095 مليون جنيه أى بنسبة 4ر72% وبمتوسط سنوى 1ر2109مليون جنيه وهو ما يساوى
2ر13% من الدخل القومى فى المتوسط 00
وساهمت القروض
الأجنبية بمبلغ 417,4 مليون جنيه أى بنسبة 27,6 % 0وذلك بعدما وزعت الخطة على العالم الخارجى غربا وشرقا والعالم الثالث وكان
الحجم الأكبر من الخطة مع الغرب وبدرجة أقل مع الشرق
ولما كانت المشكلة الرئيسية هى عجز
التمويل الداخلى فكان التأميم من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ومن أجل المستقبل وكان التأميم وسيلة ولم يكن
هدفا بل كان اتجاها اقتصاديا لتنمية
اقتصادية اجتماعية ووطنية مستقلة وكان يمثل خط الدفاع السياسى فى مقابل عملية منظمة مصالحها تتعارض مع مصالح الغالبية العظمى من
الناس ولم يكن التأميم يعنى أبدا أفراد أو أشخاص
ولكنه كما ذكرت يعنى وسيلة ولم يؤمم أى
فرد 00 وكان عام 1961 هو عام بدء الثورة الاجتماعية وبدء توفير القدرة على التنمية الوطنية مع انفتاح على العالم كله بما يحول دون
التبعية لأية ضغوط خارجية
وبلغت الزيادة
المحققة فى الدخل القومى فى نهاية الخطة 37,1 % مما كان عليه فى سنة الأساس فى مقابل الزيادة المتوقعة 40% متوسط معدل
النمو السنوى 6,5 %000 ومعدل زيادة السكان خلال سنوات الخطة كان 2,8 % فى المتوسط
وبنظرة سريعة على بعض الإحصائيات فى بعض المجالات الحيوية
يمكن أن نتعرف على ما حققته هذه الخطة،
ففى مجال الإنتاج الصناعى :
زاد الإنتاج الصناعى عام 66/67 من 1077,618 مليون جنيه
إلى 1169,419 مليون جنيه
وفى 67/68 زاد إلى 1322,968 مليون جنيه
وفى 68/69 زاد إلى 1421,987 مليون جنيه
وفى مجال التصدير للصناعة :
زاد من 82,238 مليون جنيه عام 1966 إلى 134,066 مليون
جنيه عام 1970
نصيب الفرد من الدخل القومى :
زاد نصيب الفرد من الدخل القومى ما بين الأعوام 1960/
1965 بنسبة 28% 0
وزاد عدد العاملين مليونا ونصف المليون تقريبا فى خمسة
سنوات
من 6,000,600 سنة 1960 إلى 7,333,400 سنة
1966 بزيادة 22% 0
سكان المدن كانوا
فى سنة 1960 يمثلون 37% من عدد المواطنين فأصبحوا يمثلون 40% عام 1966 0
|