معنى الوصول إلى خط النهاية - محمد السعيد ادريس
التاريخ: 17-12-1438 هـ
الموضوع: د. محمد السعيد ادريس



عندما أصدر يوسي كوهين رئيس «الموساد» تقريره المثير للجدل إلى المجلس الوزاري «الإسرائيلي» المصغر «الكابينيت» الذي قال فيه إن «المنطقة تتغير في غير مصلحتنا»، فإنه كان يقر فقط بنصف الحقيقة، لأن التغيير الذي يحدث في المنطقة المحيطة ب «إسرائيل» ويعمل في غير مصلحتها هو جزء من تغيير شامل في علاقة «إسرائيل» بالقوى الدولية وعلى الأخص الولايات المتحدة وروسيا، لكن التغيير الأهم هو ما يحدث داخل «إسرائيل»: داخل الدولة أي المؤسسات السياسية الكبرى الحاكمة وداخل المجتمع، أي ما يتعلق بالإنسان «الإسرائيلي» وكله يعمل في غير صالح «إسرائيل».



التقرير الذي قدمه كوهين كان عبارة عن تقدير موقف، وترجع أهميته لما تضمنه من معلومات وتطورات رصدتها أجهزة الأمن «الإسرائيلية»، رغم أن ما نشر على موقع «واللا» العبري لا يتعدى المقتطفات المسموح بنشرها فقط من التقرير، كما ترجع أهميته إلى توقيت تقديمه، وهو أنه يتزامن مع أحداث مهمة تحدث على صعيد دحر عصابات «داعش» الإرهابية في العراق وسوريا، وانكسار منظمات إرهابية أخرى كانت تعوّل عليها «إسرائيل» في سوريا خاصة «جبهة النصرة» (فرع القاعدة في سوريا) أمام قوات الجيش السوري المدعومة من إيران و ميليشيا«حزب الله» اللبناني.

التقرير تناول عرضاً وتقويماً للتهديد الذي تواجهه «إسرائيل» وأوصى بضرورة «أن تكون المهمة الأولى هي وقف ذلك» إضافة إلى ضرورة «وقف الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين روسيا والولايات المتحدة بخصوص وقف إطلاق النار في جنوب سوريا (اتفاق التهدئة في الجنوب» باعتبار أن هذا الاتفاق ضد مصلحة «إسرائيل»، ويجب أن تعمل «إسرائيل» مع الولايات المتحدة وروسيا على تغييره والأخذ بالشروط والمطالب «الإسرائيلية». كما اهتم هذا التقرير بضرورة التحرك إزاء «المخاطر التي يمكن أن تترتب على القضاء على تنظيم (داعش)»، إضافة إلى «المخاطر التي نتجت، وما زالت تتوالى بسبب الاتفاق النووي مع إيران» مشيراً إلى أن «إسرائيل» ليست ملزمة، بأي شكل، بالاتفاقات الدولية التي وقعتها إيران، وأنها «ستواصل العمل، وبمختلف السبل من أجل الدفاع عن نفسها في مقابل هذه التهديدات».
ما رصده التقرير من تطورات أو تغييرات تحدث في المنطقة يراها ضد مصالح «إسرائيل»، قد تكون هذه التطورات خطيرة لكن ما هو أخطر أن «إسرائيل» تقف عاجزة، بقدراتها الذاتية، عن تغييرها. فاتفاق الجنوب السوري تراه «إسرائيل» تهديداً لأمنها القومي، لكنها عاجزة عن تغييره ولم تجد سبيلاً لذلك غير اللجوء إلى الولايات المتحدة وروسيا، لكن الصدمة الكبرى أن الولايات المتحدة لم تستجب لكل العرض الذي قدمه يوسي كوهين نفسه في الزيارة التي قام بها إلى واشنطن على رأس وفد أمني «إسرائيلي» عالي المستوى، وعندما ذهب رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنفسه إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين بنفس الأسباب ولنفس المطالب: تغيير «اتفاق التهدئة» في جنوب سوريا، ومنع أي فرصة لتأسيس جبهة معادية جديدة «لإسرائيل» في الجنوب السوري على غرار الوضع في جنوب لبنان. وعاد نتنياهو دون نتائج، الأمر الذي يؤكد أن لا واشنطن ولا موسكو باتت مستعدة للاستجابة إلى مطالب «إسرائيلية» تؤثر سلباً على مصالح أي منهما وهذا في ذاته تطور شديد الخطورة من منظور الأمن «الإسرائيلي». هذا يعني أن «إسرائيل» أضحت عاجزة عن الدفاع عن أمنها القومي إزاء مصادر تهديد تراها خطيرة.

تطورات البيئة الإقليمية والبيئة الدولية بكل سلبياتها بالنسبة «لإسرائيل» لا تقارن بتطورات البيئة الداخلية في «إسرائيل» نفسها، حيث أضحت الدولة مفعمة بالفساد وبالذات شخص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المتهم في ملفات قضايا فساد، ناهيك عن عجز المؤسسة الحاكمة عن إيجاد بديل له والهروب من خيار تغييره، ولقد دفعت حالة «اليأس» من أن يتمكن منافسو نتنياهو من إزاحته عن منصبه بالطرق العادية: الانتخابات الداخلية في الليكود، أو الانتخابات العامة، والتعويل على إحداث ذلك التغيير عن طريق إدانته رسمياً في تُهم الفساد الموجهة إليه، على غرار ما حدث لرئيس الحكومة الأسبق «إيهود أولمرت» القابع في السجن حالياً.
كان لافتاً جداً المقال الذي كتبته «تسفيا جرينغيلد» في صحيفة «هآرتس» (27 مارس/ آذار 2017) تحت عنوان «وصلنا إلى خط النهاية». فالعنوان يلخص الحال الراهنة التي يحاولون الهروب منها في «إسرائيل». في هذا المقال لخصت الكاتبة حالة الجمود والفشل والعجز داخل «إسرائيل» قائلة إن «اليمين استنفد أغراضه في («إسرائيل») ويجب على كل السياسيين من الوسط واليسار الدفع في اتجاه إنهاء حكمه قبل أن تتحطم الدولة على يديه. وأنا أراهن على الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بالفساد أكثر من أي شيء آخر». لكن الكارثة أنها ترى أن التعويل على تغيير نتنياهو «ليس حلاً» أو «هو حل يهربون منه»، موضحة أن صمت غالبية أحزاب المعارضة، وحتى معارضي نتنياهو داخل ائتلاف الليكود الحاكم، وأيضاً المقربين منه على تحقيقات الفساد الموجهة إليه مرجعها «خشية كل هؤلاء من إجراء انتخابات مبكرة قد تسقط أحزابهم أو تضعهم في خلفية الخريطة السياسية («الإسرائيلية»)».
الأمر الذي يعني أن الكل أضحى فاسداً وعاجزاً وهذا هو الخطر الحقيقي، وأنهم في طريقهم للوصول إلى «خط النهاية».

د. محمد السعيد إدريس







أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12715